قـبــل‭ ‬عـشـريــن‭ ‬عـامــا‭ ‬تـوفــي‭ ‬ عـالـم‭ ‬الاجـتـمـــاع‭ ‬بـيــار‭ ‬بـورديــو
صاحب المقال: بـيــــــــــار بـورديـــــــــــو
تاريخ النشر : يناير 2022

إفتتاحيات أخرى

‮«‬سوء‭ ‬معاملة‭ ‬مؤسساتية‮»

أضحت الرقمنة القسرية من أجل النفاذ إلى الخدمات العامة، تنطبق مستقبلا على الإجراءات الضرورية، مثل التقدم بطلب للحصول على شهادة في الحالة المدنية، ودفع ضريبة، والحصول على تصريح إقامة. غير أن إلزامية استخدام الإنترنت في هذه المجالات وفي العديد من المجالات الأخرى المتعلقة...

اليسار العربي وحالة الإنكار للبعد الإيكولوجي والبيئي

بفعل تضييق الخناق عليها من طرف منظومة محافظة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، يتواصل سقوط مختلف تيارات اليسار العربي نحو الهاوية، سقوط من الظاهر أنّه مازال سيتواصل. مع التدني المتزايد لقدراته على تقديم بديل ذا مصداقية يقطع مع "المنظومة" و"العالم القديم" وفاعليه...

بـيـع سـيـارات «أودي» فـي بـورما

منذ إنشاء المجموعة الأوروبية للفحم والصُّلب سنة 1950، ثمّ الاتـّحاد الأوروبي مرورا بمعاهدة روما والسّوق المشتركة، كان لمُهندسيّ أوروبا عدوّان معلنان وهما السّياسة الحمائيّة والسّيادة. لذلك، ينبغي ألاّ نستغرب أنْ يتجه الاتحاد الأوروبي، حتـّى في وقت يَشهد فيه الاقتصاد...

كـلـنـــا‭ ‬أطـفـــال

مرّة أخرى يسقط عالَمهم أرضًا. لكنْ لسنا نحن من كسّرهُ. في هذا الظرف، نستحضر البرنامجَ الاقتصادي والاجتماعي للمجلس الوطني للمقاومة، وتحقيق المكاسب النقابيّة، والأعمال الكبرى للصّفقة الجديدة(نيو ديل). لكن هناك مُقاومون فرنسيون كثيرون حافظوا على أسلحتهم، وفي الشّارع شعبٌ...

وفقا للمجال الذي يشتغل فيه، يمكن لرأس المال أن يتمثل في ثلاثة أجناس أساسية: رأس المال الاقتصادي، الذي يمكن تحويله بصورة حينية ومباشرة إلى نقد، ويمكن أن تتم مأسسته في شكل حق ملكية. وهناك رأس المال الثقافي أو المعلوماتي، وهو قابل للتحويل، وفق بعض الشروط، إلى رأس مال اقتصادي، كما أنه قابل للمأسسة في شكل شهائد ومؤهلات دراسية. هناك أخيرا رأس المال الاجتماعي للواجبات والالتزامات الاجتماعية («علاقات»)، وهو قابل للتحويل، وفق بعض الشروط، إلى رأس مال اقتصادي قابل بدوره للمأسسة في شكل ألقاب نبالة (…).

يمكن تحصيل مختلف أجناس رأس المال انطلاقا من رأس مال اقتصادي، لكن فقط مقابل عمل تحويلي تقلّ أو تكبر أهميته، ضروري لإنتاج جنس السلطة الناجعة الفاعلة في المجال المعني. هكذا، مثلا، هناك سلع وخدمات يتيح رأس المال الاقتصادي الحصول عليها حينيا ودون تكاليف ثانوية. هناك سلع وخدمات أخرى لا يمكن الحصول عليها، إلا بفضل رأس مال اجتماعي علائقي، أو التزامات وواجبات اجتماعية، لا يتم تفعيلها حينيا، وفي اللحظة المناسبة، إلا إذا ما كان قد تم إرساؤها وتعهدها منذ أمد طويل، ومن أجل ذاتها، أي خارج لحظة استعمالها، والتي تفترض إذن الاستثمار على المدى الطويل في اكتساب الاندماج المجتمعي الضروري كي يتحول الدين الصافي والبسيط إلى هذا الاعتراف بالدين دون سند ولا عقد، وهو المتمثل في الاعتراف. هكذا، يتبين أن الشفافية الخبيثة لمسلكية الأخذ والعطاء، التي تعد نموذجا للتبادل الاقتصادي، هي، في المحصلة، ذات صبغة اقتصادية أكبر (أو ترتكز)، مقارنة بالغموض الأساسي لتبادل الهبات، الذي لا يمكنه إشاعة عدم المعرفة المتقاسمة إلا مقابل أشكال متعددة من الترتيبات واقتصاد أكثر ذكاء للزمن.

هكذا، فإنه يتعين علينا في نفس الوقت أن نطرح فكرة أنّ رأس المال الاقتصادي هو المبدأ والمرجع الرئيسي الذي تستند إليه كل أجناس رأس المال الأخرى، وأن الأجناس المتغيرة والمشوهة لرأس المال الاقتصادي لا تعطي مختلف أشكال مفعولها ذات الخصوصية العالية، إلا على قدر كونها تقوم فقط بإخفاء (بداية على مالكيها) واقع أن رأس المال الاقتصادي هو المبدأ المرجعي، أي، ولكن عندما ندفع بالتحليل إلى أقصاه، كونه المبدأ المرجعي لتأثيرات تلك الأجناس المختلفة وانعكاساتها.

طبقا لمبدأ (معادل لمبدأ) الحفاظ على الطاقة، يتم دفع المرابيح على قطعة أرض بالضرورة لقاء كلفة مثقلة على كلفة أخرى (بشكل يجعل أن مفهوما مثل مفهوم التبذير لم يعد له مبرر وجود ضمن علم عام يعنى باقتصاد وترشيد الممارسات). المعادل الكوني، الذي يقيس كل عمليات المعادلة، ليس سوى زمن العمل، في معناه العام، كما أنه يمكن التثبت من فعالية الحفاظ على الطاقة الاجتماعية، عبر كل أشكال التحويل، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، في كل حالة، زمن العمل المراكم في شكل رأس مال، وزمن العمل الضروري لتحويله من جنس إلى آخر.

رأينا، على سبيل المثال، أن تحويل رأس المال الاقتصادي إلى رأس مال اجتماعي يفترض عملا خصوصيا، أي إنفاقا مجانيا ظاهريا للزمن والاهتمام والعناية والعلاج، وهو ما ينتج عنه، مثلما نراه في الجهد المبذول من أجل إضفاء بعد شخصي على هدية، تغيير كبير للبعد النقدي البسيط للتبادل، وفي نفس الوقت، تغيير عميق لمعنى التبادل ذاته: فهذا التبادل، الذي سيبدو أصليا، من وجهة نظر «اقتصادية» ضيقة، كتبذير، يمثل استثمارا فعليا، يمكن جني ثماره، على المديين القصير والبعيد، في شكل أجناس نقدية أو أجناس أخرى.

على نفس المنوال، إذا كان أفضل قياس لرأس المال الثقافي، يتمثل قطعا في مدى ضخامة وحجم الوقت المخصص لاكتسابه، فذلك لأن تحويل رأس المال الاقتصادي إلى رأس مال ثقافي يفترض بذل الوقت، وهو أمر أضحى ممكنا بفضل امتلاك رأس مال اقتصادي. بشكل أدق، فإنّ توارث رأس المال الثقافي فعليا صلب الأسرة نفسها لا يرتبط فقط بأهميته الذي تمت مراكمتها كذلك مقابل إنفاق للزمن الذي تملكه المجموعة العائلية، وإنما بالوقت المفيد (لا سيما في شكل الوقت الحر للأم) المتاح لهذه الأم (طبقا لرأس مالها الاقتصادي) من أجل تأمين نقل رأس المال هذا، ومن أجل إتاحة إبطاء عملية الدخول لسوق الشغل المترتب عن التعلم المدرسي. إنه قرض لا ضمانات لتسديده، سوى على المدى البعيد جدا، فقط.

من بين المزايا التي يؤمنها رأس المال بكل أجناسه، تتمثل الأثمن في زيادة حجم الوقت المفيد، والذي أضحى ممكنا بفضل كل أشكال وصيغ التفويض من قبيل تملك وقت الغير (في شكل خدمات)، والذي يمكن أن يأخذ شكل زيادة في الوقت الحر، المرتبط بالتقليص من الوقت الذي ينشغل فيه الفرد بأنشطة موجهة مباشرة نحو إنتاج وسائل وإمكانات لإعادة إنتاج وجود المجموعة العائلية، أو شكل تكثيف لاستخدام الوقت المشغول، بفضل استعمال أدوات ومناهج يتم النفاذ إليها فقط مقابل التعلم، أي قدر من الزمن، والتي تتيح، كما هو الحال بالنسبة لوسائل نقل أسرع، ومقرات إقامة أكثر قربا من مواقع العمل، «ربح الوقت». على العكس من ذلك، هنالك مبالغ المال المقتصدة من قبل الفقير، والتي يتم بذل الوقت مقابلها، أي مثلا، الوقت المخصص لأشغال الصيانة والتعهد المنزلية، أو للبحث عن الفرصة الجيدة لاقتناء شيء ما بأفضل ثمن ممكن. يتمّ ذلك مقابل القيام بتنقلات لمسافات بعيدة والانتظار لأوقات طويلة، إلخ.. كل هذا لا ينطبق حقيقة وفعلا على رأس المال الاقتصادي، ذلك أن امتلاك رأس مال ثقافي يتيح جني أفضل فائدة، لا فقط من وقت العمل، من خلال جني أجر أرفع مقابل نفس القدر من الوقت، وإنما أيضا امتلاك وقت حر، ومن هناك تنمية رأس المال الاقتصادي ورأس المال الثقافي.

إن قابلية مختلف أجناس رأس المال للتحويل، تعد القاعدة المرجعية للإستراتيجيات الرامية إلى تأمين إعادة إنتاج رأس المال (والموقع صلب الفضاء الاجتماعي)، وذلك مقابل عمليات التحويل الأقل كلفة، في شكل عمل تحويلي، وفي شكل أوجه ضياع وخسارة ناجمة أصليا عن عمليات التحويل في حد ذاتها (وذلك في سياق وضعية معينة لموزاين القوى). تتمايز مختلف أجناس رأس المال في ما بينها، تبعا لقابليتها لإعادة الإنتاج، وبشكل أدق، تبعا لكونها يتم نقلها بشكل ميسر، بدرجة أو بأخرى، أي بأقل ما يمكن من الخسائر، وبصورة مخفية بدرجة أو بأخرى. تنحو مخاطر حدوث خسائر ونسبة إخفاء، باتجاه التنوع، عند إتباع مسار عكسي. كل ما يسهم في إخفاء ما هو اقتصادي، يسهم أيضا في زيادة مخاطر حصول خسائر (لا سيما على صعيد الرصيد المتوارث بين الأجيال).

هكذا، تضفي عدم القابلية للقياس (على مستوى التحليل الأولي) التي تطبع أجناس رأس المال، قدرا مهما من الغموض والشكوك، ضمن الصفقات المبرمة بين مالكي أجناس مختلفة. كما أن الرفض المؤكد لعمليات الاحتساب والضمان التي تطبع المبادلات، والتي تنحو باتجاه إنتاج أو إعادة إنتاج رأس مال اجتماعي كرأس مال من السندات القابلة للاستعمال على المديين القصير أو البعيد (تبادل منح، خدمات، زيارات، إلخ)، من شأنه أن يقحم، في حد ذاته، مخاطر «جحود»، على اعتباره شكلا من أشكال رفض الاعتراف بدين دون عقد، تزعم هذه المبادلات أنها تنتجه. على نفس الشاكلة، يكون ثمن الدرجة العالية من إخفاء عملية نقل رأس المال الثقافي، إضافة لمحاذير الخسائر ذات الصلة، واقع أنه، وبخلاف سندات البورصة، فإن السند (الشهادة) المدرسي الذي يعتبر الشكل الممأسس لرأس الرأس هذا، غير قابل للنقل ولا للتفاوض.

بصورة أدق، فإن رأس المال الثقافي، الذي تخرج عملية نقله المتواصلة صلب العائلة، عن تأثيرات الوعي وعن أشكال الرقابة (من قبيل ذلك، من البادي أن المنظومة التعليمية تقوم بتنسيب الشهائد التي تسندها، تبعا للمزايا الطبيعية فحسب) وينحو رأس المال الثقافي دوما باطراد باتجاه عدم اكتساب فعاليته الكاملة، على الأقل على مستوى سوق الشغل، إلا في حال تمت المصادقة عليه من قبل المنظومة التعليمية، أي بعد تحويله إلى رأس مال من السندات المدرسية، وهو محور عملية نقل أكثر إخفاء، ولكن أيضا محفوفة بمخاطر أكبر من تلك التي يتعرض إليها رأس المال الاقتصادي: بالفعل، على قدر تحوّل السند التعليمي، الموسوم بالفعالية النابعة عن كل ما هو رسمي، إلى الشرط المطلوب للنفاذ المشروع إلى عدد متزايد من المواقف والمواقع، ولا سيما المواقف والمواقع المهيمنة، تنحو المنظومة التعليمية أكثر فأكثر باتجاه تجريد المجموعة العائلية من احتكار نقل السلطة والمزايا، ومن بينها، مزية اختيار الورثة الشرعيين من بين الأطفال من الجنسين ومن ذوي الترتيب المختلف في الولادة.

من البديهي أن الفئات الصغيرة المهيمنة، التي تنحو باتجاه تخصيص مكانة أكبر، أكثر فأكثر، للاستثمار التربوي، في نطاق إستراتيجية شمولية لتنويع الميراث والتوظيفات ترمي إلى التوفيق بين الأمان والمردودية، تملك وسائل عدة للإفلات من الأحكام المدرسية: ضلا عن كون النقل المباشر لرأس المال الاقتصادي يظل دوما أحد الأدوات الرئيسية لإعادة الإنتاج، فإن تأثير رأـس المال الاجتماعي («أشكال الحماية»، «أشكال الدعم»، «العلاقات») تتجه نحو إصلاح وتعديل تأثيرات العقوبات المدرسية. لا تشتغل السندات المدرسية (الشهائد) مطلقا على الوجه الأمثل كرصيد نقدي، كما أنها لا تفتقد مطلقا وكليا رابطتها مع الشخص الذي يملكها، فهي تكتسب أهمية أكبر، اتساقا مع حيازة مالكها لإمكانات أكبر تخول له فرضها، وهذا بالخصوص في القطاعات الأقل جمودا ضمن الهيكلة الاجتماعية.

أما رأس المال الاقتصادي ذاته، وتبعا للجنس الذي يتمظهر فيه، فإنه يطرح مشكلات نقل مختلفة تماما: هكذا، وبحسب ريتشارد غراسبي، فإن سيولة رأس المال التجاري، الذي يؤمن قدرة اقتصادية حينية ويدعم عملية النقل، تجعله أيضا أكثر هشاشة من الملكية العقارية (وحتى الممتلكات من العقارات والبناءات)، كما أنه لا يساعد على إرساء سلالات ذات ديمومة.

بالنظر لأنّ مسألة الطبيعة التعسفية للتملك لا تطرح أبدا، أيضا، بشكل منفصل، إلا في عملية النقل، خصوصا بعد عملية توزيع الإرث، وهي لحظة صعبة ودقيقة بالنسبة لكل سلطة، فإن كل إستراتيجية لإعادة الإنتاج، هي بالتأكيد، إستراتيجية لاكتساب الشرعية ترمي إلى تكريس التملك الحصري وإعادة إنتاجه. عندما يتم تجسيد النقد الثوري والجذري، الذي يهدف إلى المساس بالطبقة المهيمنة في أساس وجوهر تواصل هيمنتها، من خلال فضح الطابع التعسفي للألقاب المتوارثة ونقلها (كما هو الحال بالنسبة للنقد الذي وجهه فلاسفة القرن الثامن عشر، باسم الطبيعة ضد التعسف المرتبط بالولادة في عائلة ما)، على صعيد آليات ممأسسة (مثل قوانين الميراث)، بغرض تكريس رقابة على النقل الرسمي والمباشر للسلطة والمزايا، فإن مالكي رأس المال، تكون مصلحتهم أكثر فأكثر في اللجوء إلى استراتيجيات إعادة إنتاج قابلة لتأمين إخفاء أفضل (تغطية) لعملية النقل، لكن ذلك مقابل قدر أكبر من الخسائر في رأس المال، عبر استخدام آلية قابلية أجناس رأس المال للتحويل. وهكذا، فإن النقل الرسمي لرأس المال الاقتصادي، كلما اعترضه عائق أو تم وقفه، كلما أصبحت الانعكاسات المترتبة عن التداول السري لرأس المال تحت مظلة أجناس من رأس المال الثقافي، عنصرا حاسما في إعادة إنتاج الهيكلة الاجتماعية، وأضحت رافعة المنظومة التعليمية، وهي أداة إعادة إنتاج قادرة على إخفاء وظيفتها، متجهة، باطراد، نحو الأعلى.

إشتراك سنوي + 24 أخر عدد

إشتراك سنوي

إشتراك سنوي

العدد الحالي

العدد الحالي

إقتناء العدد الحالي فقط

Share This