اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

احتفــــــال‭ ‬بأبطــــــال‭ ‬مغيبيـــــن

كان بول روبيسن صاحبَ مجد عالمي، كما عَرف العمل النّقابي الثّوري الأمريكي نجاحات ومآسي كثيرة جديرةٌ بأن تُحْكَى بحماس مَلْحميّ. ما لمْ نهتمّ عن كثب بنضالات الأمريكيين من أصل إفريقي وبالحركة العمّاليّة، وما لمْ نطّلع على أعمال هوارد زين أو نعوم تشومسكي، لن يكون لدينا عن هذه المسألة سوى فكرة غامضة، بل ربّما كان هذا التعبير مجرّد تلطيفٍ. تقول العبارة الشهيرة إنّ التاريخ يكتبه المنتصرون، لنقُلْ بتعبير أكثر دقّة إنّه تُعادُ كتابتُه، وتُمْحَى منه مراحلُ كاملة تتعلّق بالنّضال من أجْل تغيير العالم بما في ذلك أبطالها الدّؤوبون الرّائعون الذين لا يمكن بالتّأكيد وضعُهمْ في منزلةِ المهزومين.

اختتم الكاتبُ الايطالي فاليريو ايفنجلستي، الذي حملتْهُ إلى الشُّهرة أعمالُه التي ضمّتْ شخصيةَ المفتّشْ نيكولا ايمرش(1)، بكتابِه: «مُفْسِدُو الإضراب»(2) ثلاثيّته التي ركّزَ فيها على تاريخ العمل النقابي الأمريكي(3). تهمّ هذه الرواية الأخيرة جيّدة التّوثيق بالدرجة الأولى بالنشأة والمناقشات والانتصارات والهزائم التي عاشها عمّالُ الصّناعة العالميّون على مدى خمس عشرة سنة انطلاقا من ظهور نقابتهم سنة 1905. هذا الكتاب يعتبر مكثّف وأحيانا جاحدٌ، لاسيّما وأنّ «بطله» نذل حقير اختار أن يكون سفّاحا لدى وكالة امنية مثل «بنكرتن» التي اشتهرتْ بكفاءتها في خدمة القمع الذي يسلّطه أرباب العمل. بدون أدنى شعور بالذّنب، كان ينهض بمهامّ الاختراق عبر انتحال شخصية عامل «أحمر»، الأمر الذي مكّنه من الكشف عن المتعاطفين مع العمل النقابي ومن ثمّ إعلام أسياده بمخطّطات «الووبليز» أي أعضاء نقابة عمّال الصّناعة العالميين.

لكن ولئن كانت مخالطتُهُ مزعجةً في الغالب، فهذا لا ينفي أنّنا نتمكّن بواسطتها من مواكبة اللّحظات العظيمة للحراك الرّائع للطبقة العمّاليّة (عمّال السكك الحديديّة، عمّال المناجم، عمّال الزّراعة الموسميّون و غيرهم). هذا الحراك الذي شمل النّساء كما شمل السّود والمهاجرين من أجل هدف مُعْلَنٍ لا لبس فيه و هو القضاء على الرأسماليّة. كانت دعاية هؤلاء النقابيين فعّالةً بشكل ملحوظ، من ذلك طبع المنشورات المكتوبة بلغة المهاجرين الوافدين، واستعمال الأغاني التحريضيّة مثل أغاني «جو هيل». كما عرفوا كيف يكونون دوما حاضرين على الميدان (لاسيّما عن طريق «الهوبوس»، أي الجوّالين)، و كيف يعدّلون الإضرابات بكافة أشكالها، وكيف يفرضون تحسينات كبيرة، ويواجهون قمعًا يتناسب مع خوْف المالكين. لقد قُتِل من القادة والمتظاهرين عدد كبير على يد قوات الأمن وأتباع وكالات المُخبرين التي ستتحوّل إحْداها إلى مؤسّسة رسميّة لتصبح سنة 1908 مكتب التّحقيقات الفيدرالي (إف بي آي). خلال الفترة الفاصلة بين الحربيْن، سمحتْ القوانين المناهضة لما يسمّى «العمل النّقابي الإجرامي» بإيقاف الآلاف من «الووبليز»، وإثْر ذلك جرى تشغيلُ مصنع النّسيان. إلّا أنّ عمّال الصناعة العالميين بوصفهم ثوريين أمميين، مازالوا موجودين. ربّما شَهِد عملهُم بعضَ النّقص، ولكنهم مازالوا على عزيمة وإصرار، وفي صفوفهم نجد كُّلّاً مِن نعوم تشومسكي وطوم موريللو عازف القيثار في مجموعة «راج اغنست مشين» (غضب على الآلة).

أمّا بول روبيسن (1898-1976)، وهو سليل عائلة من العبيد، فقد سطع نجمُه حتى أوائل الخمسينات من القرن الماضي. كان بإمكانه أن يكتفي بمسيرة مهنية ناجحة بفضل طبقة صوته «باريتون باص» الرّائعة التي حملته مع أغنية «اولدمان ريفر» إلى مصاف المشاهير. غير أنّه وعلى العكس من ذلك، قرّر ألّا يفْصِل بين اختياراته الفنّية وميولاته السّياسيّة، كما قرّر بأنْ يضع نفسه بشكل عمليّ و كلّيّ و عظيمٍ في خدمة المعركة من أجل العدالة العرقيّة والاجتماعيّة. صحيحٌ أنّ سيرة حياتِه هادئة في بعض الأحيان(4) إلّا أنّها تعرض علينا حياة فوّارة جريئة حملتْه على الغناء للكادحين، كما غنّى للطبقات الرّاقية، وعلى تأكيد تعاطفه مع الاتّحاد السوفياتي، ورفضه للحرب الكوريّة، ودعمه للمُطالبين بالاستقلال من الأفارقة، كما لعِب دورا رئيسيا في المناقشات الفكرية النّضالية التي كانت تدور في تلك المرحلة. من ثمّ، سيفقد مكانته في بلاده بوصفه شيوعيّا، وستتحطّم مسيرتُه. بعد أن كانت ذكرى ميلاده عيدا وطنيا في العديد من البلدان، و كانت حفلاته الموسيقيّة وتصريحاته أحداثا ذات صدى عالمي سيُمْحى من الذاكرة المتغلّبة أو يكاد، تماما مثلما حدث لجو هيل الذي غنّى له، ولأعضاء عمّال الصّناعة العالميين «الووبليز»

 

 

 

1) فاليريو افنجلستي: نيكولا ايمنريش، مفتّشا»، 12 جزءا صادرة، بايو-ريفاج-لافوت-كتاب الجيب، كلامار، باريس، 1998-2021.

2) فاليرو ايفنجلستي، «مُفْسِدُو الاضرابات»، ترجمته من الايطالية باولا دي لوكا وجيزال تولوزان، ليبرتاليا، منتروي، 2020، 528 ص، 18 اورو . من المنتظر صدوره يوم 21 افريل/نيسان 2021: بيتر كول، دافيد م. ستروذرس وكينون زيمّر( إشراف): «تضامن إلى الأبد.تاريخ شامل لنقابة عمّال الصناعة العالميين»، منشورات هور داتانت.

3) فاليريو ايفنجلستي «انتراسيت»، و«نحن لسنا لاشيء، لنكن كلّ شيء»، ريفاج نوار، باريس، صدرا تباعا سنتي 2008 و2010.

4) جيرالد هورن، «بول روبسن»، مترجم من الانجليزية (الولايات المتحدة) عن طريق جُوال مارلي، اوتيوم ، ايفري سير سان، 2020، 332 ص، 25 اورو.

هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /