اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

هـل مـاتــــت الـفـلـسـفــــة؟

يعود الجدل بين علم الاجتماع والفلسفة بقوّة بصفة دوْريّة. علم الاجتماع الذي يُشتبَه دوما في كونه علما «مائعا»، يرى في هذا الجدل وسيلة لفرض ذاته كعلم «حقيقيّ» مقابل المادّة الأدبية وهي الفلسفة، في حين تسعى هذه الأخيرة إلى الحفاظ على مجال تحرّكها المستقلّ بصرف النّظر عن الإكتشافات العلميّة.
في كتابٌ نُشر حديثا(1)، واصل عالم الاجتماع «مارك جولي» صاحب كتاب «لبيار بورديو» (منشورات المركز الوطني للبحث العلمي) الخوض في هذا الجدل: تاريخيا، ليست مادّة الفلسفة في الواقع سوى المرحلة الأخيرة في الطريق إلى العلم، أي مجموعة المعارف غير الرّسمية التي تسبق تكوّن التّخصّصات العلميّة بما فيها من مناهج وباحثين وإجراءات التّحقيق، الخ. يظهر الامر بوضوح بالنّسبة إلى العلوم الطبيعيّة التي حقّقت استقلاليتَها منذ وقت مبكّر. هذا ما ينبغي أن يحصل مع علم الاجتماع الذي افتكّ من الفلسفة، على حدّ قول «مارك جولي»، الوظيفةَ التي استمرّتْ في أدائها بعد ظهور العلوم الطبيعيّة، وهي تسليط الضّوء على «المتجاوز»، أي على البنية الانثروبولوجيّة التي تتنزّل داخلها القيمُ المؤسّسة للإنسانية (الحقيقة، الخير، الخ). هكذا، يكون علم الاجتماع قد خلّص هذا المتجاوز من صفة الهيكل الأبدي التي ذهب إليها الفلاسفة، إلى بُعده التّجريبي أي إلى عمليّة تكوّنه البيولوجي والنّفسي والاجتماعي.
تدقيقا لملامح ومخاطر هذا التأريخ واعتمادا على أعمال كلّ من «نوربار الياس» و«بيار بورديو»، هاجم المؤلّفُ بشكل خاصّ محاولات التّجاهل التي أبداها الفلاسفةُ وكذلك بقايا الفكر غير الرّسمي التي مازالت، من وجهة نظره هو، عِبئا على علم الاجتماع. أليس بقاء الفلسفة واقعا، كما يقترح المؤلّف بإصرار، مجرّدَ بقاء مؤسّساتي راجع إلى الجهود اليائسة التي يبذلها الفلاسفة للاستمرار في الوجود على الرّغم من أنّ تخصّصَهم قد عوّضه علم الاجتماع؟
يقدّم الفيلسوف «اتيان باليبار» في كتابيْن صدرا مطلع السنة الحالية(2) مبرّراتٍ جدّيّةً للشّكّ في ذلك. المؤلّف القادم من جيل آخر غير جيل «مارك جولي»، ينتمي إلى الفكر الفرنسي الذي كان خلال الستينات قد قرن مصيرَه بالسياسة. يمثّل كتابا المختارات هذيْن نظرةً شاملةَ عن هذا الارتباط بنفس القدر الذي يمثّلان جَرْدا ضمنيّا له. مع ذلك، تحظى هذه النظرة بأهمّيّة خاصّة في الجدل: ذلك أنّ هذا الاهتمام بالسّياسة قد أسهم فعلا في توجيه أنظار الفلاسفة نحو الممكن. هنا يكمن رهان أساسي: هل يمكننا فصل الفكر عن مُهمّته العلميّة الوحيدة، أي عمليّة التفكير في ما هو قائم، ومنحُهُ دورا أوسع، أيْ التفكير في ما يمكن أن يكون؟ الحقّ أنّ مفهوم المتجاوز كان قد أجاب عن هذه المشكلة لأنّ المطلوب كان بالنسبة إليها أيضا هو الإلماعُ إلى الابتكار اللامتناهي للعقل البشري. لكن، و بشكل أعمّ، هل يلبّي المفهومُ الفلسفي الشّرط الوحيد المتمثّل في تحديد ظاهرة مُعيّنة من أجل دمجها في الخطاب العلمي؟ يسلّط النصّ المخصّص لماكيافيل الضّوء على تعقّد الخطاب الفلسفي و كيفيّات تلقّيه: إنّ دليل الحُكْم الجيّد الموضوع على ذمّة الأمير يصبح بمجرّد نشره بين النّاس أداة للكشف عن ممارسات كان يُرادُ لها أن تظلّ خفيّة وبالتّالي أداة نقديّة. ثمّ إنّ هذا الارتباط بين الواقع والمعيار والممكن يظهر أيضا من خلال الطريقة التي تدرك بها الفلسفة الحدثَ الذي لا ينحصر في نظرها ضمن قائمة محدودة من الخصائص، ولكن يمتدّ إلى الإمكانات التي يحملها والطّريقة التي يستطيع بها تغذية المسارات المعاصرة.
من المحتمل أن تكون الدّقّة في كتابة «باليبار» مزعجةً بالنسبة إلى المتمسّكين بالخطاب الواضح الذي لا لبس فيه. ثمّ إنّه لا شكّ في أنّ المؤلّف لن يكون مخالفا للفكرة القائلة إنّ العلوم الاجتماعيّة تقوم بالنسبة إلى الفلسفة مقام حامي القيَم. لكن في المقابل، يمكن للمرء أن يتساءل عمّا إذا كانت مصلحة الفلسفة، في مواجهتها للعلوم الاجتماعيّة، لا تظلّ مثمثّلة في التّذكير بأنّ هاهنا تتمّ عمليّة معرفة الذّات التي تمكّن البشريّة من التّخلّص من واقع وجودها الثقيل .
1) مارك جولي، ما بعد الفلسفة. تاريخ وابستمولوجيا علم الاجتماع الأوروبي» منشورات المركز الوطني للبحث العلمي، باريس، 2020، 561 ص، 27 أورو.
2) اتيان باليبار «تاريخ لا ينتهي. من قرن إلى آخر. كتابات1»، لاديكوفارت، باريس، 2020، 308 ص، 22 أورو، و«التعلّق بالمفهوم». الابستمولوجيا، و اللاهوت والسياسة. كتابات2»، لاديكفارت، باريس، 2020، 276 ص، 22 أورو.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /