اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

بوليفيــــا‭ ‬تواجــــه‭ ‬احتضــــار أنهارهـــا‭ ‬الجليديـــة

تعيش معظم الجبال الجليدية حالة من التّراجع وهي الشاهدة بامتياز على تغيّرات المناخ على سطح الأرض. في منطقة «الاند» الاستوائيّة، أخذ هذا الذّوبان في التّسارع منذ ثلاثين سنة حتّى أصبح يهدّد الرّيّ وإنتاج الكهرباء والإمدادات بالمياه. أصبحت مدن عملاقة مثل لاباز في بوليفيا تشهد تهديد بفقدان نصيب مُهمّ من مواردها.

يعجّ الأفق بعشرات الآلاف من النقط الحمراء الصغيرة : إنّه آجر لاباز و جارتها الشعبية الألتو. يقع جبل شكلاتايا (وارتفاعه 5395 مترا) في الكوردليرا ريال على بعد حواليْ ثلاثين كيلومترا شمال العاصمة الإدارية لبوليفيا. أسفل قمّة الجبل بمائة متر، تنتهي الطريق المتعرّجة بموقف صغير مُشرف على «التيبلانو»، التّلّ العالي الأندي. تضرب الريح مصاريع البناءات المهجورة التي تذكّرنا سقوفُها بشاليهات منطقة جبال الألب. هذا التنافر المعماري في قلب منطقة الأند» يذكّر الزّائر بأنّه قبل ما يقرب العقد من الزمن، كانت «شكلتايا» تضمّ منتجعا للتزلّج يُعَدّ الأكثر ارتفاعا في العالم. كان الحرفاء الأثرياء يتحدّون المنعرجات القاسية و«السوروش» (الإرتفاع عن سطح البحر) ويقضون عطلة بغاية الاستجمام خلال الصيف الجنوبي (من ديسمبر/كانون الأول إلى مارس/آذار). في بوليفيا، يحلّ الشتاء الجنوبي خلال فترة الجفاف. لذلك، لا يتساقط الثّلج إلا صيفا خلال موسم الأمطار. أو لنقل بأكثر دقّة، عندما كان الثلج ينزل ...
«هنا كان يقوم جبل جليدي سُمكه خمسة عشر مترا خلال التسعينات»، هكذا يقول أدسون راميراز بحسرة وهو يشير إلى منحدر صخريّ حيث يأكل الصدأ قضبانا معدنيّة ملتوية من بقايا المصعد الميكانيكي. على امتداد ما يقرب الثلاثين عاما، ظلّ راميراز أستاذ الموارد المائيّة و الجليديّة بمعهد «مايور دو سان أندراس» في لاباز يتابع المتجمّدات الاستوائية في منطقة الأند. يقول هذا العالم متنهّدا: «سنة 2003، حذّرتُ من أنّ هذا الجبل الجليدي البالغ من العمر ثمانية عشر ألف سنة مهدّدٌ بالانقراض في أفق سنة 2015. كنت وقتها متفائلا جدّا لأنّ ما حدث هو أنّ آخر الثّلوج ذابتْ بين سنتي 2009 و2011. إنّه أمر يبعث على الانشغال العميق». لم تعُدْ منطقة شكلتايا تحتفظ من ماضيها إلا بالاسم الذي يعني «جسر الجليد» بلغة الأيمارا.
فقد كورديليرا ريال
%37 من مساحته الجليدية
بعد سفر بالسّيارة دام ساعات عبْر سلسلة «كورديلارا ريال»، ها قد بلغنا أسفل السّفح الغربي«لهواينا بوتوزي». وفقا لحسابات العلماء، هذا العملاق الشّامخ مهدّد أيضا بالانقراض، ذلك أنّ الصّخور السّوداء المحيطة به تُسرّع من وتيرة ذوبانه بفعل ما تتلقّاه من حرارة الشّمس. يقول راميراز مفصّلا الحديث: «يفقد هذا الجبل الجليدي سنويا من حجمه مترين ويتقهقر بعشرين مترا. تبيّنُ حساباتنا أنّ «كوردلارا ريال«فقد منذ سنة 1980 ما قدره %37 من سطحه الجليدي والحال أنّ ملايين البوليفيين يعتمدون على مياهه». إثر ذلك، تحوّل المُهندسان أديسون راميراز وفرانسيسكو روجاس إلى أطراف ضيعة متواضعة تواجه كتلة الجليد حيث نصبا محطّة مائيّة حراريّة تسجّل الأمطار و تقيس درجات الحرارة وسرعة الرّياح واتّجاهها. كان روجاس قد أعدّ المحطّة بنفسه قصد الاقتصاد في النّفقات. يعلّق المهندس على ذلك مبتسما: «بواسطة طابعة ثلاثيّة الأبعاد وباستعمال الأقماع والأنابيب البلاستيكيّة، صنعتُ خمسة وعشرين آلة بمبلغ 25 ألف دولار، أي ما يعادل ثمن آلة واحدة في السّوق». يقوم دون غيلارمو اروكيبا البالغ من العمر 73 سنة بتربية اللاما والخرفان والأبقار. يقدّم شهادته حول التغيّرات المناخية ويتذكّر مُشيرا إلى خطّ يقسم الأفق في موضع أسفل بكثير من اللسان النّهائي الحالي : «عندما استقررتُ هنا صحبة عائلتي سنة 1974، كانت كتلة الجليد تصل إلى القناة التي تشاهدونها هناك . كان الجليد أزرق اللّون. لقد تغيّر كلّ شيء». يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تغيّر النظام البيئي وتنجرّ عن ذلك عواقب: «لقد أصبح الموقع الآن مليئا بيرقات من نوع لم نشهدها من قبل، تلتهمها حيوانات اللاما فتمرض».
رحّب المزارع بالزّائرين ثم قدّم لهم الجبن. همس راميراز قائلا: «نحن نجدُ استقبالا حسنا. يكفي أن نفسّر لهم جيّدا ما نقوم به والهدف منه». كان سكّان الجبل في الماضي يخرّبون المنشآت العلمية بحكم خشيتهم من عمليّات الاقتحام التي يقوم بها الحضريّون وعدم معرفتهم بحقيقة نواياهم». في العام 2014، تولّى خبراء المياه بالدّول الأربع المكوّنة لمجموعة دول الأنديز(بوليفيا والبيرو والاكوادور وكولومبيا) بمساعدة من بنك التنمية للبلدان الأمريكية ضبط تقويم بيداغوجي فسّروا فيه طريقة عملهم. يلاحظ الأستاذ راميراز أنّ المزارعين «كفّوا عن تخريب معدّاتنا، بل على العكس من ذلك، صار البعض منهم يطلب منّا تركيز لاقطات، فهم يريدون الحصول على معلومات لأنّهم قلقون».
لقد أخذتْ أغلب الكتل الجليديّة على سطح الكوكب تتراجع منذ نهاية «العصر الجليدي الصغير» منتصف القرن التاسع عشر. كما أخذ هذا التّراجع الذي تشهده الكتل في التّسارع منذ نهاية السبعينات ويرجّح أنّ التّطورات الحادثة خلال العقود الأخيرة في منطقة الأند لم يسبق لها مثيل منذ مطلع القرن الثامن عشر(1). يُعدّ الذوبان الإقليمي واحدا من أسرع عمليّات الذّوبان الملاحَظة في العالم كما يشكّل إحدى أكبر الإسهامات في ارتفاع مستوى المحيطات ،وفق ما يذهب إليه فريق من المختصين الفرنسيين(2) في دراسة الكتل الجليديّة. يدقّق هؤلاء الأمر قائلين: «تزامن الفقدان المَهول للكتل الجليديّة خلال السنوات الماضية مع ظروف الجفاف الشّديد منذ بداية سنة 2010، كما أسهم في نصيب منه في التّخفيف من الآثار المائيّة السّلبيّة التي خلّفها الجفاف الشّديد المطوّل». «في بوليفيا، فقدتْ بعض الكتل الجليدية منذ الثمانينات ثلثيْ كتلتها بل ربّما أكثر من ذلك»، وفق ما جاء في ملاحظة أبدتها منظمة اليونسكو الأممية في أطلس مُخصّص للمسألة نُشر في شهر ديسمبر/كانون الأول 2018 بمناسبة مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ (كوب 24) والتي عُقدتْ في مدينة «كاتوفيتش» (بولونيا )(3).
«لا أحد كان يستمع للفلاحين
خاصة النخب الحضرية»
أظهرت هذه الوثيقة أنّ حدّ المطر/الثّلج قد ارتفع خلال القرن العشرين «بمعدّل 45 مترا» في الاند الاستوائيّة. قد ترتفع درجة الحرارة بنهاية القرن الواحد والعشرين «ما بين درجتيْن إلى خمس درجات». من المتوقّع ذوبان آخر جبل جليدي في فنزويلا «بداية من سنة 2021»، ومن المحتمل في حدود سنة 2050 ألّا يبقى قائما في المنطقة «إلّا أهم ما يوجد على أعلى المرتفعات». تذهب بعض الدّراسات الاستشرافية «حتى الأقلّ تشاؤما منها» إلى أنّ آخر الشّواهد على المناخ المنقرض في منطقة الاند الاستوائي ستفقد «ما بين 78 و%97» من كُتلتها قبل نهاية القرن، علما أنّها تمثّل %61 من الموارد المائيّة للاباز في الظّروف العادية، و%85 خلال سنوات الشّحّ المائي. ثمّ إن «الذّروة المائيّة»، أي الفترة التي يبدأ فيها كمّ الماء النّاتج عن الذّوبان والمنحدر من أعلى إلى أسفل في التّناقص الحتمي، سبق بلوغُها بالنّسبة إلى أغلب الكتل وأحيانا منذ الثمانينات. لن يسير الوضع إلا في اتّجاه التّفاقم. تذهب اليونسكو إلى أنّ «هذه المنطقة الجبلية تعيش مرحلة من التّغيير غير مسبوقة «وذلك مقارنة ب» انهيار حضارة تيواناكو «(خلال القرن الحادي عشر في بوليفيا الحالية)، وهو انهيار «تزامن مع تغيّر مُناخي حادّ و سريع».
يذكر أدسون راميراز أنه بداية من التسعينات، «كنّا نبّهنا السّلطات لكن في ذلك الوقت لم يكن هناك شعور بأنّ المسألة ملحّة. زدْ على ذلك أنّ السكّان الذين يعيشون في أسفل مجرى النّهر وجدوا في تسارُع الذوبان وفرةً في المياه على المدى القريب. تقول ماغالي غارسيا متنهّدة أنّه حتّى في مطلع هذا القرن، «كان لا يزال من الصّعب جدّا الإقناع بواقع الاحتباس الحراري». ماغالي غارسيا هي مهندسة فلاحيّة ترأس مخبر البحوث والتنمية حول التفاعلات الكيمائية التابع لمعهد البحوث من أجل التنمية وتدرس عواقب الاحتباس الحراري على الممارسات الفلاحية. تقول في هذا الصدد: «يرى المزارعون الانديون الكتلَ الثّلجية بصدد الانحسار، و لكنهم يلاحظون كذلك أن غطاء السّحب آخذ بدوره في التناقص. نتيجة لذلك، تكون أشعّة الشمس أقوى والأمطار أكثر تركيزا والتبخّر أسرع حتّى وإن ظلّ حجم التساقطات على حاله. أدرك المزارعون ما يحدث منذ ربع قرن لأنّهم كانوا يتعاملون مع المناخ بصفة يوميّة. لكن لا أحد كان يصغي إليهم وخاصّة النّخب الحضريّة».
لقد أسهم اختفاء شاكلتايا في بناء حالة وعي. إزاء الأمر الواقع، عمدت الأعضاء الأربع لمجموعة دول الأنديز سنة 2012 إلى إرساء مشروع تأقلُمٍ مع تأثير الانحسار المتسارع للكتل الجليديّة في منطقة الانديز الاستوائية تتمثّل مهمّته في «تعزيز شبكة المراقبة» و«تجميع معلومات نافعة في اتّخاذ القرار»(4). من ثمّ، أصبحت الكتل الجليديّة مراقبة بواسطة آلات الكاميرا وأجهزة الإنذار والطائرات المسيّرة بل وحتّى بدعم من القمر الصناعي البوليفي تباك كتاري الذي يحمل اسم متمرّد ايماري عاش خلال القرن الثامن عشر. بالتوازي مع ذلك، تمّ تحسيس السكّان بعواقب الاحتباس الحراري على الموارد المائيّة على يد السّلطاتُ ومنظّمات غير حكوميّة.
لكن الأوان قد فات... بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 ومارس/آذار 2017، عاشت بوليفيا أسوأ فترة جفاف خلال ربع قرن: أدّت الظاهرة التي أطلق عليها اسم «النّينو» (احترار المياه السطحيّة قرب المحيط الهادئ في أمريكا الجنوبية) إلى انخفاض معدّل الأمطار بنسبة %40 وإلى ارتفاع في معدّل درجات الحرارة بدرجتيْن أو ثلاث. الثّابت أنّ حالات الجفاف متكرّرة في بوليفيا حسب دورات هيدرولوجية مدّتُها ستّ سنوات، إلا أنّ نقص المياه لم يصب سنة 2016، ولأول مرّة، لا كوشابنبا ولا أورورو ولا بوتوزي ولا سكر فحسبُ، ولكن شمل أيضا مجمّع «لاباز-الالتو» الذي يتجاوز عدد سكّانه المليونيْن، رغم صعوبة الإحصاء (الدّقيق).
في تلك السنة، بدا فصلُ الجفاف الذي يمتدّ عادة من أفريل/نيسان إلى سبتمبر/أيلول كأنّه بلا نهاية. انطلاقا من أكتوبر/تشرين الأول، تضاعفتْ عمليّاتُ انقطاع الماء. تتذكّر إحدى تاجرات وسط المدينة تلك الفترة فتقول بغضب: «لقد بقينا أيّاما طويلة بدون ماء. لم نعد نستطيع الاغتسال و لا الطّبخ». تضيف المهندسة الفلاحية ماغالي غارسيا موضّحة: في مدينة كوشابنبا، كان النّاس أكثر تعوّدا على الجفاف: لذلك، تجدهم أكثر استعدادا ويقومون بتعبئة الصهاريج. كما واجه المزارعون مواسم جفاف أكثر خطورة خلال سنوات 2006،1987،1983... إلا أن «الباسينوس» [وهم سكّان لاباز] وجدوا أنفسهم عاجزين». أصبح توزيع الماء يتمّ بالتقسيط داخل أربعة وتسعين حيّا أي ما يساوي ثلث المدينة وخاصّة أحياءها الجنوبية الأكثر ثراء. مثّلت عمليات قطع الماء صدمة حقيقية بالنسبة إلى الطبقات المتوسّطة والعليا التي كانت تعتبر الحصول على الماء عبر فتح الحنفيّة أمرا بديهيّا. كان السّكان يهيمون في الشّوارع حاملين أوانيهم الفارغة. أمّا الميسورين فكانوا يقتنون الماء المعبّأ في قوارير. في الأرياف، كانت قطعان اللاما تموت عطشا متسبّبة في إفلاس المزارعين، كما تقرّر تقديم العطل المدرسية بعدّة أيام بسبب انقطاع الماء في المدارس. لقد شهدنا مواقف تضامنيّة بين الجيران مثلما حدثتْ مشاجرات.
بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أعلن الرئيس ايفو مورالس أنّ ما يحدث هو بمثابة الزلزال وقرّر إعلان حالة الطوارئ وحشد الجيش ودعى مواطنيه إلى التّحلّي بالصّبر قائلا: «الحلول الهيكلية اللازمة تتطلّب وقتا». تمّ تسخير المياه الموجودة في التّجمعات الريفيّة. معتبرة إياها ملكا خاصا لها، طالبتْ هذه المجموعات مقابل ذلك بإنجاز بُنى تحتيّة. اتّضح أن الكثير من الشّاحنات المزوّدة بصهاريج غير مناسبة لنقل الماء بفعل تلوّثها الناجم عن نقلها المحروقات سابقا كما لا يوجد عدد كاف من الشّاحنات الملائمة في كافة أرجاء البلاد ومن ثمّ وجب على بوليفيا أن تقبل مساعدة جارتها الأرجنتين. عندما وصلتْ هذه الشاحنات، اندلعت المشاجرات بين سكّان المدن الذين فقدوا السّيطرة على أعصابهم.
انتقلت الأزمة بعدها إلى الميدان السياسي. في سنة 2000، أدّت خوصصة توزيع الماء في كوشبنبا إلى مضاعفة الأسعار ما أدى إلى صراع اجتماعي جرى قمعُه بعنف، وبسببه تمّت إدانة الرئيس غنزالو سنشيز دي لوزادا الهارب إلى الولايات المتحدة وأحد وزرائه وحكم عليه سنة 2018 من طرف محكمة فلوريدا(5). بعد انتخابه سنة 2006، تولّى مورالس (الحركة نحو الاشتراكية) التّراجع عن عمليات الخوصصة، وبعث وزارة للبيئة والمياه. كما نصّ الدّستور الجديد للدّولة البوليفية المتعدّدة القوميّات الذي تمّت المصادقة عليه عن طريق الاستفتاء سنة 2009 على أنّ الحصول على الماء حقّ أساسي، بل «علامة على سيادة الشعب»(المادّة 16 والفقرة 373). بناء على مبادرة بوليفيا، صوّتتْ الجمعية العامّة للأمم المتّحدة يوم 28 جويلية/تمّوز 2010 على قرار تقرّ فيه بأنّ «الحقّ في ماء صالح للشراب وصحي ونظيف»(6) كحقّ«أساسيّ».
يعمل العلماء جاهدين
لإنقاذ الأراضي الخثية
خلال موسم الجفاف سنة 2016، تجمّعَ بين ثلاثة آلاف و خمسة آلاف متظاهر ضدّ السلطة قادمين من الأحياء المرفّهة الواقعة جنوب المدينة. زادت أزمة الماء تعميقَ القطيعة بين الرئيس والطبقات المتوسّطة في لابازو هي طبقات وجّهت إليه وقتها تهمة «الاهتمام حصرا بالفقراء و السكان الأصليين»(7)، وهي التّهمة الكثيرة التردّد على ألسنة الناس. إثر ذلك سقطت رؤوس: في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، لم يكتف الرّئيس بإقالة ألكسندرا مرّيرا وزيرة البيئة والمياه وثلاثة من كبار الموظّفين، بل تمّ تتبّعهم قضائيّا بتُهمة «التّقصير في أداء الواجب»، بل وحتّى «النّيل من الأمن».
في شهر فيفري/شباط 2017، عبّأت السلطات مائتيْ مليون دولار لمكافحة الجفاف والاحتباس الحراري. بجكم الإطاحة بالرئيس مورالس في نوفمبر/تشرين الثاني 2019(8)، أصبح مستقبل السياسة المائيّة مضطربا على شاكلة مصير البلاد: الانتخابات العامّة التي كان من المقرّر إجراؤها في ماي/أيّار 2020 أجّلتْ إلى شهر سبتمبر/أيلول.
أكّد لنا فيكتور هوغو ريكو ارنسيبيا المدير العام لإدارة الماء الصالح للشراب والتطهير في الفترة ما بين نوفمبر/تشرين الثاني 2016 ونوفمبر/تشرين الثاني 2019، وكان آنذاك مباشرا لوظيفته، أنّ السلطات«قد استخلصتْ الدروس» من هذه الأزمة فوضعت آليات لاستباق المخاطر والاستعداد عند الضرورة «لحشد الدّفاع المدني من جميع الدّرجات» (بلدي، جهوي، دَوْلي). وجب على مخطّطات التصرّف في حالات الجفاف أن تسمح «بتحديد البنى التحتيّة التي تحتاج إلى تحسين أو تشييد استجابة للطّلب المتزايد». منذ حدوث هذه الأزمة بين 2016 و2019، تمّ بناء ثلاثة خزّانات جديدة حول لاباز. تمّ حفر آبار جديدة في الألتو. تجديد قنوات و صيانة أخرى وجعلها غير مسرّبة للماء حتّى يتمّ ضياع الماء. في إقليم 4 من الالتو، تمّ التّخفيض في الخسائر المترتّبة عن التسرّب من %39.6 إلى %26.5 من جملة الكمّيّة التي يقع ضخُّها. يُقرّ ريكو ارنسيبيا قائلا: «نحن بحاجة إلى تعميق الدّراسات حول آليات التأقلم مع تغيّر المناخ ووضع استراتيجيات لإعادة التأهيل في مواجهة التّدهور البيئي». مثال ذلك أنّ إزالة الغابات التي جرتْ خلال العقود القليلة الماضية في منطقة لاباز أدّت إلى تناقص الجداول التي تغذّي المياه الجوفية.
يقول أدسون راميراز محذّرا خلال مرافقتي له في زيارة إلى خزّان توني، إنّ موجات الجفاف القادمة قد تكون مأساويّة أكثر عندما تصبح الدّولة غير قادرة على الاعتماد على ذوبان الجليد. تمّ إنشاء هذا الخزّان سنة 1975 في اتجاه مجرى مجر«هواينا بوتوزي» الجليديّة ويتّسع لـ 26 مليون متر مكعّب يزوّد بها كلّا من لاباز والالتو. يقول راميراز محذرا: «سنة 2016، حافظت المياه الناتجة عن ذوبان الجليد على مستوى مقبول في الخزّان و لكم أن تتخيّلوا حجم الكارثة في صورة اختفاء كتلة الجليد» ويقدّر المهندس أملُ بقائها بـ «حوالي ستّين عاما».
بالنسبة لباقي خزّانات لاباز-الالتو، فهي لا تعتمد على الأنهار الجليدية، بل على هطول الأمطار النّاتجة عن التيارات الهوائيّة الرّطبة القادمة من السّهول شبه الاستوائيّة المجاورة» على حدّ قوْل ريكو الذي يتوقّع «سلوكات مناخية يغلب عليها كل مرّة غياب التنظيم و ناتجة عن الارتفاع العامّ لدرجة الحرارة». في سنتي 2018 و2019، جاءت أمطار طوفانيّة تسببت في وقوع فيضانات وانهيارات أرضية.
لقد أصبح علماء الأند «يعملون جاهدين من أجل إنقاذ«البوفيدالس»: تلك المناطق الرّطبة المرتفعة التي يغذّيها ذوبان الثلوج والكتل الثلجية وسيلان الأمطار وارتفاع مستوى المياه الجوفيّة. تعتبر هذه الرّدوم بمثابة اسفنجات طبيعيّة حقيقيّة يكون عمقها في الأغلب عشرة أمتار تجمّع المياه وتصفّيها من التّرسّبات في نفس الوقت. بوصفها أنظمة بيئيّة هشّة، تظلّ هذه الأخيرة هدّدة على المدى البعيد بالتقلّص بفعل تناقص المياه المنجرّة عن الذوبان، مع ما ينجرّ عن ذلك من تدهور وجفاف للتّربة ما يؤثّر سلبا على التّنوّع البيئي. ما يثير الانشغال أكثر هو طاقة هذه المنظومة البيئيّة على احتجاز ثاني أكسيد الكربون(9): ذلك أنّ انبعاث هذا الأكسيد من شأنه أن يزيد في خطورة الاحتباس الحراري... يحذّر راميراز من أنّ«البوفيدالس» ستنتهي إلى لعب دور الكتل الجليدية خلال الفصل الجافّ». للحفاظ عليها، يدرس معهد البحث من أجل التنمية القنوات ما قبل الكولمبية التي ماتزال قائمة في بعض الأحيان حول البوفيدالس. يقول راميراز: «تسمح قنوات التّحويل هذه بتعديل مسار الماء وضمان الدّورة الداخلية للبوفيدال بحيث يصبح ذاتيّ التغذية. نحن ندرس هذه التقنيات من أجل تكرارها على نطاق واسع في غضون سنتيْن أو ثلاث».
بصفتهما مهندسين فلاحييْن، يتولّى كلّ من ميغوال انجال لوباز وموريسيو كوسّي إنجاز دراسة لفائدة معهد البحث من أجل التنمية تتناول عواقب الاحتباس الحراري على الممارسات الفلاحيّة. لقد رافقانا إلى مجمّع شجنباتا غير بعيد عن مدينة آشاكاشي. هنا على ارتفاع يتجاوز 4 آلاف متر تتولّى بضع عشرات من عائلات الايمارا استغلال المنحدرات الواقعة فوق «البوفيدال»، بينما تتلألأ في الأفق بحيرة «تيتيكاكا». يقول بيراز مفصّلا الحديث: «تلك المنصّات التي نشاهدها على المنحدرات عمرها أكثر من ألف عام، وهي تحمي التّربة من الانجراف». هنا يتمّ استعمال تقنية البور في خدمة القطع الأرضية للحدّ من تآكل التّربة. يعرّفنا المهندسان بدون جوان ماماني، مزارع و مربّي حيوانات اللاما عمره 70 سنة. هنا وُلد و هنا يعيش مع زوجته، أما أبناؤه العشرة فقد ارتحلوا جميعا «لكسب عيشهم في لاباز، في الشيلي وفي الأرجنتين». في شهر أكتوبر/تشرين الأول وسعيا لتوفّر كميات هامّة من الأمطار، «يتمّ تمجيد «الباشاماما» [آلهة من الانكا تجسّم الأرض-الأمّ]»، كما يقول المزارع وهو يومئ بذقنه إلى الجبل المجاور، «نطوف حول القمّة ثلاث مرّات و نحن نزحف على ركبنا». يعيش دون ماماني الاحتباسَ الحراري بصفة يومية دون أن يجد حاجة إلى الشّكوى. يقول بثقة: «كان الطقس اشدّ برودة عندما كنت شابّا، كان الصقيع يقتل البطاطا. منذ حواليْ عشرين سنة، أخذ المناخ في التغيّر. لم يعد الثلج ينزل كما كان من قبل. أصبح بإمكاننا أن نزرع مزروعات أكثر تنوّعا».
لكن المفارقة تتمثّل في أنّ ارتفاع درجات الحرارة ينجرّ عنه على المدى القصير تحسّن في الحياة اليومية للمزارعين الذين أصبحوا الآن يزرعون أنواعا مختلفة من الدّرنات (البطاطا، الكبوسين الدّرني)، وكذلك الفول والجلبان والشعير والشوفان. يقول دون ماماني مدقّقا: «نحن نبيع منتوجاتنا في المدينة». أصبح لهذه المجموعة السّكّانية من الوسائل ما يمكّنها من كراء جرّار فلاحيّ لعمل محدّد، وعن هذا، يقول: «الآن أصبحنا لا نستعمل الهويزو [مسحاة تقليدية] إلا لخدمة الزّوايا التي لا يدخلها الجرّار». يعتبر ذلك تحسّنا مرغوب فيه لدى هؤلاء المزارعين خاصّة و أنّ تربية اللاما أصبحت عسيرة بسبب تكاثر اليرقات. تنقّل المهندسان الزراعيّان إلى قطعة أرض محروثة حديثا، وأخذا عيّنات واختبرا محتواها من الكربون ثم قالا بأسف: «يحرث الجرّار الأرض حرثا أعمق من الحفر بالهويزو، وهذا من شأنه أن ينهك الأرض ويتيح تسرّب ثاني أكسيد الكربون». إنّ في هذا فائدة آنية ولكنّه يزيد من خطورة الحالة على المدى المتوسّط والبعيد. يقرّ العالمان بأنّه «من العسير شرح ذلك لمزارعين فقراء شرعوا بالكاد يشهدون بعض التحسّن في كسب رزقهم. إنّ هذا القول يساوي دعوتهم إلى الكفّ عن العمل...»
1) أنطوان ربتال(ائتلاف)، «الوضع الرّاهن للأنهار الجليدية في جبال الاند الاستوائيّة: منظور متعدّد القرون حول التطوّر الجليدي وتغيّر المناخ»، كريزوفير، غوتنغن، عدد 7، 22 جانفي/كانون الثاني 2013.
2) إيتيان برتياي(ائتلاف) «عقدان من فقدان الكتلة الجليدية على طول جبال الاند»، جيوساينس، لندن، عدد 12، 16 سبتمبر/أيلول 2019.
3) تينا شولميستر وكوين فربيست: أطلس الأنهار الجليدية ومياه الانديز: أثر تناقص الكتل الجليدية على الموارد المائيّة»، كوين فربيست، تينا شولمستر، اليونسكو، باريس، ديسمبر/كانون الأول 2018.
4) «رصد الأنهار الجليدية في جبال الانديز المداريّة في سياق تغيّر المناخ»، تقرير معهد البحث من أجل التنمية، ماي/أيّار 2019.
5) «حتّى المطر» شريط سينمائي لايكيار بولان(فرنسا، اسبانيا، المكسيك،2010).
6) قرار64/292 اتخذته 28 جويلية/تموز الجمعية العامّة للأمم المتحدة.
7) ماييل ماريات،«في بوليفيا، على الطريق مع نخبة سانتا كروز»، لومند دبلوماتيك، جويلية/تمّوز 2020.
8) رينو لمبار،«انقلاب في غاية السهولة»، لوموند ديبلوماتيك، ديسمبر/كانون الأول 2019.
9) «التراجع السريع للثلج والجليد في جبال الاند الاستوائيّة: الآثار والشّكوك والتّحدّيات المقبلة»، تحت إشراف ماتياس فويل، جامعة نيويورك في الباني، مجلّة علوم الأرض، عدد176،2018.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /