اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

فــــــــــرض‭ ‬رؤيـــــــــــــة للــــــعـــــــالـــــــــــــــم

أصبح تجديد علم الاجتماع الذي عمل عليه بيار بورديو خلال النصف الثاني للقرن العشرين والذي حورب لفترة طويلة لكونه اعتبر بدعة، أصبح
يدرّس في المعاهد. ضمن هذه الترسانة الفكرية، يحتل مفهوم المجال الذي أسيء فهمه غالبا، مكانة مركزية. في نوفمبر/تشرين الثاني 1995،
تحدث عالم الاجتماع بالتفصيل عن هذا المفهوم.

تعدّ مجالات السياسة والعلوم الاجتماعية والصحافة، ثلاثة عوالم اجتماعية ذات استقلالية نسبية، لكنها تمارس تأثيرات متبادلة فيما بينها. على
سبيل المثال وخلال سهرة انتخابية يتم بثها تلفزيونيا، تسجّل هذه المجالات حضورها لكن في شكل أشخاص. يتولى مؤرخ معروف التعليق على
النتائج، إلى جانب صحفي ومدير معهد العلوم السياسية، وهو عضو المجال الأكاديمي ومجال العلوم الاجتماعية، من خلال مؤسسات سبر
الآراء التي يسدي لها استشارات. يمكن القيام بعملية توصيف تفاعلية، أي عملية مقتصرة على التفاعلات بين الناس، أو تحليل للمضامين يتناول
الخطاب، والأساليب المعتمدة فيه، فضلا عن الاستراتيجيات الكامنة، إلخ.
أما نموذج تحليل المجالات فهو مختلف تماما: إنه يتيح توخي منطق الفرضيات.عندما يخاطب المؤرخ الصحفي، فإن من يتحدث ليس مؤرخا
يخاطب صحفيا، بل هو مؤرخ يحتل موقعا معينا في مجال العلوم الاجتماعية يتحدث إلى صحفي يحتل موقعا معينا في المجال الصحفي. في
المحصلة، يتعلق الأمر بمجال صحفي يتحدث مع مجال العلوم الاجتماعية. من خصائص ووظائف التفاعلية، مثلا، عندما يتوجه صحفي بالكلام
إلى المؤرخ وكأنه يحمل ثوب حكم مهيمن إزاء النقاش السياسي الصرف، أو كأنه هو (المؤرخ) صاحب الكلمة النهائية، كونها تعبر عن هيكلة
العلاقة بين المجال الصحفي ومجال العلوم الاجتماعية. مثال ذلك، أن صفة الموضوعية الطبيعية التي نمنحها للمؤرخ، غير مرتبطة بخصائص
جوهرية متأصلة يتمتع بها الشخص، وإنما بالمجال الذي ينتمي إليه والذي يحتفظ بعلاقة موضوعية موسومة بالهيمنة الرمزية، في جزء ما من
العلاقة، إزاء المجال الصحفي (الذي يمكن أيضا أن يمارس هيمنة رمزية إزاء هذا المجال، في جزء آخر من العلاقة: مثل القدرة على التحكم
في النفاذ إلى الجمهور). تأسيسا على ذلك، يقوم برنامج حواري على التلفزيون، تتم مشاهدته باعتماد مفهوم المجال، بفرز طيف كبير من
الخصائص والوظائف أكثر مما يمكن إفرازه باستخدام الحدس أو التخمين.
من بين الأسئلة التي يتعين طرحها على مجال ما، هو التساؤل عن درجة استقلاليته الذاتية. على سبيل المثال، يتسم المجال الصحفي، مقارنة بمجال
علم الاجتماع (وبدرجة ما مقارنة بالرياضيات)، بدرجة عالية من التنوع. مجال ذو استقلالية ذاتية جد محدودة، لكن هذه الاستقلالية، حتى وإن
كانت جد ضعيفة، تجعل أن جزءا مما يتم إنتاجه في عالم الصحافة لا يمكن فهمه إلا إذا ما فكرنا في هذا العالم الصغير كما هو، وإلا إذا ما سعينا
بجهد لفهم التأثيرات التي يمارسها الأشخاص المنخرطون في هذا العالم الصغير، على بعضهم البعض.
مـنـطــق‭ ‬وطـريـقــة
عـمـــل‭ ‬الـمـجـــال
vينطبق نفس الأمر على مجال السياسة في مفهومه الضيق. يقول ماركس في أحد كتبه، إن عالم السياسة في تماهيه مع العالم البرلماني، يعتبر
أحد أشكال المسرح، يقترح تمثلا مسرحيا للعالم الاجتماعي، والنضال الاجتماعي، وهو تمثل لا يتسم بالجدية الكاملة، وبعيد بقدر ما عن الواقع،
لأن الرهانات الحقيقية والنضالات الحقيقية، تدور في مكان آخر. طبقا لتلك المنهجية، فهو يشير إلى الخصائص المهمة لمجال السياسة: هذا
المجال، ورغم كونه ذو استقلالية ضئيلة، يملك بعض الاكتفاء الذاتي، وبعض الاستقلالية، بصورة تجعل أنه من أجل فهم ما يجري، لا يكفي
توصيف الأعوان على أنهم في خدمة منتجي الفولاذ، أو منتجي اللفت السكري، مثلما كان يقال في أيام سابقة، أو كبار منظمة الأعراف، إلخ
(...). يتعين أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار الموقع الذي يحتله في اللعبة السياسية، واقع أنه يقف إلى جانب القطب الأكثر استقلالية في المجال، أو
على العكس من ذلك، يتموقع إلى جانب القطب الأكثر تنوعا، وواقع كونه عضوا في حزب يتموقع في الجانب الأكثر استقلالية، أو الأقل
استقلالية، وداخل هذا الحزب، في موقع ومكانة مستقلة ذاتيا بهذه الدرجة أو تلك.
عمليا، فإن القسط الذي يتم تفسيره بواسطة منطق المجال، هو على قدر من الاتساع يتناسب مع مقدار الاستقلالية الذاتية للمجال. المجال السياسي، رغم
أنه خاضع، ظاهريا، له قدرة ضغط ثابتة في طرح المطالب، وقدرة ثابتة على مراقبة حرفائه (من خلال الآلية الانتخابية)، وهو يتسم اليوم باستقلالية
عالية عن تلك المطالب، وينزع بشكل متصاعد نحو الانطواء على ذاته، بشأن رهانات ذاتية (مثل رهانات التنافس على السلطة بين مختلف الأحزاب
وصلب كل حزب). هناك جزء جدّ مهم مما يتم إفرازه على مستوى المجال السياسي (وهنا تبدو ظاهرة الحدس الشعبوي، ظاهرة جد ملفتة)، يجد المبدأ
الذي يسنده في التواطؤات المرتبطة بواقع الانتماء إلى نفس المجال السياسي. عند ترجمتها إلى اللغة المناهضة للعمل البرلماني والمعادية للديمقراطية،
وهي لغة الأحزاب الفاشوية، يتم توصيف هذه التواطؤات على أنها مساهمات في شبه لعبة مشوبة بالفساد. في الواقع، يرتبط هذا الضرب من التواطؤات
بالانتماء إلى نفس اللعبة، ويعد أحد الخصائص العامة للمجالات، لأنه هناك صراعات صلب المجالات من أجل فرض الرؤية المهيمنة للمجال، لكن هذه
الصراعات ترتكز دوما على واقع أن الخصوم الأكثر تصلبا وتشددا يملكون سمة مشتركة تتمثل في القبول ببعض الافتراضات والاختيارات المكونة
لطريقة اشتغال نفس المجال. من أجل القتال والصراع، يجب أن يكون هناك اتفاق على أرضيات الخلاف.
لقد قمت بتوصيف مجال السياسة دون أن أحدد الخاصيات التي يشترك فيها مع مجال العلوم الاجتماعية ومع مجال الصحافة. إذا ما قمت بالتقريب
بين هذه العوالم الثلاثة من أجل محاولة التفكير في العلاقات فيما بينها، فذلك لأن هذه الحقوق تشترك في النزوع إلى فرض الرؤية المشروعة للعالم
الاجتماعي، مثلما أنها تشترك في كونها موقع الصراعات الداخلية من أجل فرض مبدأ الرؤية والتقسيم المهيمن. إننا نذهب إلى العالم الاجتماعي
بأصناف من الرؤى والتمثلات، ومن مبادئ الرؤية والتقسيم، التي تمثل، هي نفسها، في جزء منها، منتوجا لإقحام الهياكل الاجتماعية. نحن نطبق
على العالم، آلية التصنيف، من قبيل: رجالي/نسائي، مرتفع/متدن، نادر/مشترك، أنيق/مبتذل، إلخ، من خلال توصيفات تشتغل غالبا بشكل زوجي.

ويشترك محترفو التفسير والخطاب (علماء الاجتماع، المؤرخون، رجال السياسة، الصحفيون، إلخ) في خاصيتين اثنتين: من ناحية، يعملون على
توضيح مبادئ رؤية وانقسام عملية. ومن ناحية أخرى، يناضلون، كل في عالمه، من أجل فرض مبدأي الرؤية والتقسيم، ومن أجل التوصل إلى
تحقيق الاعتراف بهما على أنهما صنفان مشروعان في بناء العالم الاجتماعي. عندما يصرح ذاك الأسقف، في حديث مع صحيفة يومية، بأنه
يتوجب مرور عشرين عاما حتى يتسنى النظر إلى الفرنسيين من أصل جزائري على أنهم فرنسيون مسلمون، فذلك يطرح موقفا ورؤية لهما
انعكاسات اجتماعية خطيرة. إنه مثال جيد عن النزوع إلى التلاعب المشروع بأصناف التمثلات، والعنف الرمزي القائم على فرض ضمني وخفي،
لأصناف من التمثلات المسنودة بسلطة، والهادف إلى تحويلها إلى أصناف تمثلات مشروعة، هي تماما من نفس الصنف الذي نعمل على فرضه
عندما ننزلق بصورة لا شعورية باتجاه الخلط بين عبارة «إسلامي» وعبارة «إسلاموي»، والمرور من توصيف «إسلاموي» إلى توصيف
«إرهابي».
تأسيسا على ذلك، يتوجب على محترفي شرح وتفسير أصناف بناء الواقع وفرض هذه الأصناف، بداية القيام بتحويل هذه الأنماط إلى أصناف مدققة
وصريحة. تكون عمليات التصنيف المستخدمة في الحياة العادية في الغالب من باب السب والشتيمة («لست سوى...»، «إنك مجرد...»). والشتائم، ذات
الطابع العنصري، مثلا، هي عبارة عن «درجات تصنيف»، كما يقول ذلك أرسطو، أي أعمال تصنيف وترتيب، مرتكزة على مبدأ تصنيف غالبا ما
يكون ضمنيا، وليس بحاجة إلى التصريح بعناصره، أو أن يكون الفرد متناسقا مع ذاته. ضمن كتاب «الأنطولوجيا السياسية» لمارتن هادغر، يبرهن
تحليل المجال الفلسفي على أنه، في ظل بعض الأطروحات الفلسفية المركزية لأعمال هايدغر، هناك مبادئ تصنيف للمعنى الشائع، مثل التعارض بين
«فريد» أو «نادر» و«مشترك» أو «مبتذل»، إلخ.. وهذه المعارضات بين المصطلحات المتأتية من العنصرية ذات الطابع العادي والدارج (الأشخاص
«المتميزين» والأشخاص «المبتذلين»)، وبعد تحويلها إلى معارضات فلسفية غير مفهومة، من شأنها أن تمر خفية دون أن يتفطن إليها أستاذ الفلسفة،
الذي يعتبر من حيث المبدأ شخصا ديمقراطيا، يمكن أن يعلق على النص الشهير لهايدغر حول «نحن»، دون أن يتفطن إلى أن الأمر يتعلق بعبارة منمقة
تستبطن عنصرية مغلفة بمسحة رائعة.
هكذا، يشتغل المنخرطون في المجالات الثلاثة المذكورة، يشتغلون على إيضاح مبادئ توصيف ضمنية وعملية، لجعلها أمرا نظاميا سائدا، مع إضفاء
التناسق عليها (أو، كما في المجال الديني، جعلها أمرا ممنهجا). وتاليا، ومن خلال نفس العملية، يناضل هؤلاء من أجل فرض تلك المبادئ، والحال أن
النضالات من أجل احتكار العنف الرمزي المشروع، هي نضالات من أجل نظام ملكي رمزي. وأصل كلمة «راكسrex» التي اقترحها «بانفينيست»
ضمن «مفردات المؤسسات الهندوأوروبية»، يبرهن على أن «راكس» هي من أسرة «ريجيريregere» ، التي تعني التصرف، التسيير، وعلى أن
إحدى الوظائف الرئيسية للملك تتمثل في التسيير المطلق بتحديد الحدود، كما هو أمر «رومولوس» مع عربته. وبذلك، فإن من وظائف علم مبادئ
التصنيف، الفرز بين من هو موجود «داخل» ومن هو موجود «خارج»، أي الفرز بين المواطنين والأجانب. وعلى سبيل المثال، فإن إحدى مآسي
النضال السياسي في فرنسا اليوم، هو أنه تم، عبر اقتحام لاعب جديد للمجال، وهو حزب الجبهة الوطنية، فرض مبدأ التقسيم بين «مواطنين»
و«أجانب»، بشكل عام، على كل فاعلي المجال السياسي، وذلك على حساب مبدأ كان سابقا يبدو مهيمنا، وهو التعارض بين «الأغنياء» و«الفقراء»
(«بروليتاريو كل البلدان، توحدوا»).
أفـكــار‭ ‬صـحـيـحـــة‭ ‬
وأفـكــــار‭ ‬قـويـــة
بمنأى عن الرهانات المشتركة، يتوجب النظر إلى المنطق الخصوصي لكل واحد من هذه المجالات. يؤكد المجال السياسي نفسه ضمنا، أي أنه
يرسم لنفسه هدفا يتمثل في الإفصاح عن حقائق وخصوصيات عن المجال الاجتماعي. في مناقشة بين رجلي سياسة يكثران من استعمال الأرقام،
يتمثل الرهان في سعي كل واحد منهما لإثبات صحة وصدقية رؤيته للعالم السياسي، رؤية مستندة إلى الموضوعية، لأنها ترتكز على مرجعيات
واقعية، ومستندة أيضا إلى واقع النظام الاجتماعي، من خلال المصادقة التي تتلقاها تلك الرؤية من كل أولئك الذين يتبنونها. بعبارة أخرى، ما تعتبر
فكرة من قبيل المزايدة، تصبح فكرة صحيحة وثابتة، من خلال قدرتها على تعبئة الناس، عبر حملهم على تبني مبدأ الرؤية المقترحة.
إن فرض تعريف للعالم، يعتبر في حد ذاته عملية تعبئة تنزع نحو تأكيد أو تغيير موازين القوى. وتتحول فكرة ما إلى فكرة صحيحة وثابتة، عبر
القوة التي تتمظهر بها، من خلال فرض نفسها كمبدأ رؤية. والفكرة الصحيحة لا يمكن معارضتها إلا بالنفي، في حين أن الفكرة الصحيحة الثابتة
يجب معارضتها بفكرة صحيحة ثابتة أخرى، قادرة على تعبئة قوة مضادة، مظاهرة مضادة.
المجال الصحفي الذي أضحى أكثر فأكثر تنوعا، أي أكثر فأكثر خضوعا لضغوطات الاقتصاد والسياسة، وأساسا الاقتصاد، من خلال «نسبة
المشاهدين»، أصبح يفرض أكثر فأكثر ضغوطاته على كل المجالات الأخرى، لا سيما على مجالات الإنتاج الثقافي والعلوم الاجتماعية والفلسفة،
إلخ، وعلى المجال السياسي. والمجال هو مجال قوى ومجال صراعات، رهانها تغيير مجال القوى. بعبارة أخرى، هناك صلب حقل ما، تنافس من
أجل التملك المشروع لما هو رهان تنافس في ذاك المجال. وداخل مجال الصحافة، هناك منافسة دائمة من أجل تملك الجمهور، وأيضا من أجل
تملك ما يفترض أنه يجلب الجمهور، أي أولوية الخبر، والسبق «السكوب»، والمعلومة الحصرية، وأيضا الندرة المميزة والأسماء الكبرى، إلخ.
ومن المفارقات هو أن المنافسة، التي نقول دوما أنها شرط الحرية، من آثارها، على العكس من ذلك، في مجالات الإنتاج الثقافي تحت الرقابة
التجارية، إنتاج أعمال نمطية، والرقابة وتكريس النزعة المحافظة. وهناك مثال جد بسيط: الصراع بين الأسبوعيات الفرنسية الثلاث: «لو نوفال
أوبسارفاتور» «لكسبريس» و«لو بوان»، جعل منها صحفا لا يمكن التفريق بينها. ويفسر ذلك في الجزء الأوفر، بأن الصراع التنافسي بينها،
والذي يؤدي إلى بحث محموم عن الاختلاف والأولوية، إلخ، ينزع، ليس باتجاه بناء الاختلاف والتمايز فيما بينها، وإنما نحو تكريس التقارب بين
مضامينها. فهذه الصحف تتسابق على سرقة بعضها البعض من حيث العناوين الكبرى للصفحات الأولى والافتتاحيات والمواضيع المطروحة. وهذا
الضرب من التنافس الأهوج يمتد من المجال الصحفي، ويتوسع، ليطال المجالات الأخرى.v

هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /