اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

مـشـكــــــال الـفـوضــــــى

لمصطفى بن فـُضيل
منشورات ماكولا، باريس، 250 صفحة، 22 يورو.
ينتمي مصطفى بن فُضيل إلى ذلك الجيل الذي بلغ العشرين من العمر سنة 1988، وهي السنة المفصلية في الجزائر حين أجبرت اضطراباتُ أكتوبر/تشرين الأول 1988 السلطةَ على وضع حدّ لنظام الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني). بفتـْـح المجال جُزئيا أمام التعدّديّة الحزبية، كانت السلطة قد أهدتْ السيطرةَ على المشهذ السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ. من ثمّ، وجد أبناء الانتفاضة أنفسهم في مواجهة التشنـّـجات الدّمويّة القاتلة التي شهدتـْـها «العشريّة السّوداء» (1992-2000). في ظل هذه الظروف، لم يعد للأفكار السياسية أيّ جانب تجريديّ بعد أن أصبحت قائمة على الأعصاب والدّم. على صفحات «الوطن»، أكبر صحيفة يوميّة مستقلّة ناطقة بالفرنسية، كان بن فـُضيل يمارس كتابة التـّحقيقات الميدانية داخل الطبقات الاجتماعيّة الأكثر هشاشة وتهميشا. بحكم مواصلته النّضال النّشيط، وجد نفسَه في خلاف مع السّلطة بسبب انتمائه سنة 2014 إلى حركة «بركات» (يكفي) المعارِضة لولاية رابعة للرئيس عبد العزيز بو تفليقة. انطلاقا من ذلك، كان وجودَه ضمن حراك 2019 أمرا بديهيا. لكنّ الرجل بالإضافة إلى ذلك روائي شاعر و كاتب مسرحي، أعمالـُه كثيرة العرض في فرنسا، سعى إلى «الاستيلاء على السّلطة لغويّا وتفكيك السرديّات الرّسميّة»(1)، الأمر الذي أهَّلَه ليُصبح أحد أكثر الكتّاب تمثيلا لجيله. على هذا الأساس، نجدُ في كتاب «الجزائر العاصمة، مذكّرات مُكـثـّـفة» المُصنـّـف ضمن الجنس الروائي مختلفَ مكوّنات القلق الجزائري وهي تتجمّع لكي تصبح كتابا أدبيّا غيرَ واضح المعالم.
بعد وفاة كريم الفاطمي العالم الفلكي المشهور على طريق بولوغين (الضّاحية الشمالية لمدينة الجزائر) قرب «المنزل المسكون»، وهي استعارة للتّعبير عن البلاد، أمسكتْ زوجته مُنية دفترَ مذكـّـراتٍ قصد التّخفيف من وطأة الحزن على نفسها وانغمست في ما خلـّـفه زوجها من كتابات. خاصّةً وأنّ هذه الوثائق تمثـّـل مراحل حياته التي تتطابق مع هزّات الفوْضى السّائدة خلال السّنوات الثلاثين الماضية.
هذا الكتاب القائم على كتابة شبه تجريبية، وعلى تركيب انعكاسي قريب من تقنية القطع التي أنشاها «ويليام بروغس» ومن تصغير لمقطوعات من النّصوص، وتركيب لرسوم أنجزها أطفال، ولصور ورسائل ومخطوطات، ومُقطّعات من الورق، وعلى السّرد متعدد الأصوات: كتابٌ ذو نبرات قريبة من «اوليس» لجايمس جويس يعرض علينا عملا تجديديّا في اللغة (فبن فضيل يُجمّع الكلمات المعبّرة عن الشـّـجن السائد في مدينة الجزائر ويُعلي من شأنها)، كما يقدّم خارطة للعالم الذهني لشباب العشريّة السوداء من خلال شخصيات تجمع بين الحُلم والمادّيّة. هذه الرواية التي ليست برواية، وهي أكثر من رواية، تفرض إسداء لكمة لجماليّة التـّـفكـّـك المجتمعي.
هي كتابة متوتّرة وهادئة، طريفة ومُعتمة على شاكلة مصير الجزائر التي ما إنْ وُلدتْ حتّى تكفـّـل بها حفـّـار القبو، كتابة تكوّن عالما تتعرّض فيه إرادة الحياة لدى الشباب بصفة دائمة إلى خطر السّقوط على حافة الموت. تمثـّـل هذه الثنائية الضّدّيّة الأساسية روح مرحلة، مرحلة جزائر بن فضيل التي فيها يحلم المرءُ ويصارع ويكتب ويدرس ويستشرف بقدر أو بآخر مستقبلا تحرسُه سلطة فاسدة. في الوقت نفسه، يشعر المرء بالإحباط ويتناسى بواسطة كلّ ما هو مُتاح فيحاول «الحرقة» (الهجرة السّرية عبر البحر)، ويُحرق نفسه، ويصبح إرهابيا، ويجرّب ذاته في الحركات الجهادية.
مع بن فـُضيل، ندرك أنّ هناك كتّابا جزائريين ليسوا بالضرورة صوَرا باهتة مُجدّدة من«ألبار كامو»، بل لهم صوتُهم الخاصّ وطريقهم المخصوصة.
1) مصطفى بن فُضيل،«أركيولوجيا الفوضى(العاطفيّة)»، برزخ، مدينة الجزائر، 2007. نشر في فرنسا من طرف«آل دانتي»، مرسيليا، 2012. أنظر أيضا دلفين غرلاي،«في الجزائر، أطفال أكتوبر/تشرين الأول 1988»، تهريـب، مدوّنة موند دبلو(blog.mondediplo.net)، أ 30 أكتوبر/تشرين الأول 2009.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /