اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

ذاكــــــرة‭ ‬أخـــــــرى

سدّ الثغرات، إحياءُ ذكرى ما طواه النسيان، والاعتراف بأنّه من المهمّ تذكـُّرُ الماضي للتـّمكـُّن من مُواجهة الحاضر، تلك هي المَهامّ التي انكبّ عليها ثلاثة مؤلّفين إيطاليين من مشاربَ مختلفة جدّا و لكن وحّد بينهم الهدفُ.
ستيفانو ماسّيني هو كاتب مسرحي عُرِضتْ أعمالـُه عبر أرجاء العالم ويرأس بيكولو تياترو بمدينة ميلانو، تكفّل في مؤلـَّـفه «كتاب الألفاظ غير الموجودة»(1) بصياغةَ كلمات تـُعرّف مفاهيمَ لم تـُـثبتـْـها اللـّغة ضمن مفرداتها. على هذا النـّحو، اقترح نعتَ «هرستينيّ» لتعريف «الموقف المُتناقض عندَ من تقتضي منه الحياة التـّـصرفَ بطريقتين متضاربتيْن تـَمام التـَّضارُب مع مبادئه وقِيَمه وأفكاره». لقد استُمِدّ هذا اللفظ المُحْدَث من اسم وليام هرست العَلَم الصّحفي اليميني جدّا والمُتنفّذ الذي جسّمه اورسن والز في شريط «سيتزن كاين» (المواطن كاين). لا شكّ في أنّ اكتشافات ماسيني لا مستقبل لها لأنّها في الغالب مَبنيةٌ على مرجعيات تكاد تكون غيرَ معروفةٍ، ولأنّ تعريفاتِه لم تبلغ درجةَ الاختزال التي تتوفـّر في المعاجم. فمَن يستعمل ألفاظ «هوكيّة» و«روزاباليّة» أو «أونفاريّة»؟ مع ذلك، ليس الكتابَ مُجرّدَ تلاعُب لفظي. إنـّه يولـّـد لذة كبرى، كما لو أنّ الهدف الثـّـاني يتغلـّب على الأوّل. ذلك أنّ المؤلف يبدو كأنـّه يَعمد بدهاءٍ إلى تخصيص فصْل لحكاية مركـّزة على شخص مجهول ليتولـّى شيئا فشيئا مقابلتـَه بوجْه آخر (مُضادّ له)، ويُفضي ذلك كلـّـه إلى بناء قصّة نابضة تدور حول ما سكتتْ عنه الأجيالُ اللاحقة.
أمّا كارلو روفيلـّي، فقد وفـَـد من أفـُـق آخر لأنـّـه معروف خاصّة بمؤلـَّـفه «نظام الوقت» (أعيد نشره سنة 2019 من طرف فلاماريون-شان). هو، قبل كلّ شيء، فيزيائيّ من الدرجة الأولى. كتابَه الجديد «كتاباتٌ تائهة»(2) هو عبارة عن سلسلةٍ مُختارة من المقالات التي قدّمها للصّحافة الإيطاليّة. ثم إنّ مجموعَها يُمثـّـل، على شاكلة ماسيني تقريبا، رحلة عبر التاريخ تحدوه خلالها نفسُ الإرادة، إرادة تكريم باحثين بعضُهم مازال على قيد الحياة، وأغلبهم تـُوفـّوا ولكنّهم لم يجدوا ما هُمْ أهلٌ له من العناية. ثمّ إنّ هذا العمل ليس إطرائيا بصفة آليّة، ذلك أنّ الخطأ يُعتبَر بديهيّا جزءا من العمل العلمي (آه، الأعداد الفرديّة عند البير انشتاين).
إنّه يفضّل خاصّة إعادة التّناظر بين أرسطو، و كوبرنيك، و ماري كوري، وشارل داروين، وفلاسفة مثل دافيد لويس، بل وكذلك دانتي، ذلك لأنّه يرى أنّ بين العلم والأدب صلاتِ قرابة متينة. ألم يفتتح كتابَهُ بالتّعبير عن سروره بالولـَع العلمي الذي كان يُبديه فلاديمير نابوكوف بالفراشات؟ إذا كان يعمد إلى بعض الفلتات في الوقت الرّاهن من خلال الإشارة إلى جولتيْن جرتـَا في إفريقيا حيث وجد نفسه مُحاطا بأشخاص تختلف منظومةُ تفكيرهم عن منظومته الخاصّة اختلافا شديدا، فقد أحسّ بنشوة فكريّة كبيرة. هو ينطلق قبل كلّ شيء من التاريخ ليدافع عن فكر غير متعصّب ودون أحكام مسبقة، مبديا إعجابه بعلماء الانثروبولوجيا الذين يبيّنون أنّه لا وجود للتّفاوت وللميْل إلى الحرب لدى كثير من المجتمعات البدائيّة.
ثم إنّ الهلع من ماضٍ ما هو الذي يُغذّي كتاب «ما قبل الراحة» المنشور بايطاليا سنة 2003(3). ايلينا جيانيني بلـّـوتي عالمة التربية التي احْتـُـفيَ بها بسبب مؤلـَّـفها «من جهة البنات الصّغيرات «الذي ظهر سنة 1974 عن«منشورات النساء»، تقدّم مثالا آخر على ترسيخ دونيّة النّوع النسائي ضمن مَسار مجتمعاتنا. لقد أعادت تشكيلَ مصير مُدرّسة شابّة تُدعى ايطاليا دوناتي تمّ تعيينُها في نهاية القرن التاسع عشر للعمل في قرية بورسيانو بمنطقة توسكان، وفيها تعرّضتْ إلى التّحرّش من قبل رئيس البلديّة، وإلى أسوأ أنواع الابتزاز إلى الحدّ الذي دفعَها إلى وضع حدّ لحياتها وعمرُها 25 سنة. هذه القصّة التي كتبت بعدَ إجراءِ تحقيق في المواضع ذاتها التي دارتْ فيها حياة المُدرّسة وموتـُها يُمكن أن تـُـقرأ كرواية، وهي حكاية دقيقة وجذابة وعلى قدر من التـّشاؤم. إنـّها طريقة أخرى للسّعْي إلى استخلاص العبرة من الماضي. إنّه انعكاس للماضي قاتمٌ في الوقت الذي يلتفت فيه إليه آخرون بحثا عن أضواء لنجوم دائمة التّلألؤ.
1) ستيفانو ماسّيني«كتاب الألفاظ المفقودة»، ترجمة ناطالي بوير،منشورات غلوب، باريس،2019،256 صفحة،24.
2) كارلو روفلـّي«كتابات تائهة»، ترجمة صوفي لام، فلاماريون، باريس،2019،344 صفحة،21 يورو.
3) ايلينا جيانيني بلّوتي«ما قبل الرّاحة»، منشورات دو، بوردو،2020،272 صفحة،21 يورو.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /