اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

تـجـريـــــح‭ ‬الـظـلـمـــــــات

احتفى بموطن ميلاده -الجزائر- وبشعبه وأسهم في استقلال البلاد وكان ذا تأثير في عالم الأدب. ثمّ توفّي مبكّرا وكاد يلفّه النسيانُ. رغم ذلك، خلّف جون سيناك (1926-1973) الشّاعر الذي يكتب بالفرنسيّة، والحريص على «جزائريته»، عملا كبيرا مرتبطا بمعركة أمّة في سبيل الحريّة. لقد توقّف هذا العمل في اللحظة التي تخلّتْ فيها الثورة الشعبيّة، التي أطاحت بالنظام الاستعماري عن موقعها وحلّت محلّها خيبةُ الأمل. من شأن إعادةُ نشر مجموعة من قصائده بعد تنقيحها وإثراءها أن تسمح بإعادة اكتشاف ما هي عليه من الثّراء وهي التي سبق جمعُها منذ حوالي عشرين سنة(1).
جان سيناك الذي يعتبره الكاتب جمال الدين بن الشيخ «أكبرَ شاعر جزائري» في عصره وُلد في بني صاف لأمّ ابنةِ عامل مناجم اسباني ولأب مجهول يرجَّح أنّه غجري. نشأ في وهران في حيّ يقطنه فرنسيّو الجزائر لكنه لم يكن يُطيق ما هُمْ عليه من عنصريّة إزاء «السكان الأصليين» لأنّه شعر بصفة مبكّرة بالالتحام بـ «وطنه الجزائر». لقد أسس واثرى عدّة صحف دورية. ثمّ كان له أوّل مؤلف «أشعار» كتب تقديمه روني شار صدر عن دار غاليمار سنة 1954 بمبادرة من ألبير كامو. بعد أن أصبحا صديقين منذ سنة 1947، اختلف الرجلان. تبنّى سيناك قضيّة استقلال «الجزائر المستقيمة» في حين كان كامو يعترض على ذلك و ينعتُه بـ «القاتل الصغير». مع انطلاق الشّرارة الأولى لتمرّد 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1954، انخرط الشّاعر الذي كان في باريس وقتها فعليا في الفرع الفرنسي لجبهة التّحرير الوطني. في النّصوص التي كتبها خلال تلك المرحلة، احتل سيناك موقع مُنشد «الثورة الأبديّة» الجزائريّة على فرنسا «التي يحكمها أناس يهذون» وراح يتغنّى بالمعركة التي يخوضها «إخوانُه المُقاومون للظلمات» من أجل استرداد «حقوقهم في الذّكاء، والقوت، والكرامة والسّعادة».
عند عودتِه إلى الجزائر غداةَ الاستقلال، تولّى سيناك عدّة وظائف عموميّة منها منصب مستشار بوزارة التربية وأمين عامّ اتّحاد الكتّاب الجزائريين. بالتّوازي مع ذلك، راح بُعْدُ اللذّة الجنسية والاستبطان يتعزّز في شعره. كونه مِثْليّا صريحا، دعا إلى تحرير الجسد والفكر في بلاد تحتاج إلى إعادة بناء لأنّه «لا ثورة دون حبّ». لمّا انحطّتْ منزلتُه إثر الانقلاب الذي تزعّمه هواري بومدين في شهر جوان/حزيران 1965، جاهرَ بخيبة أمله تُجاه «المافيا» (هكذا) التي تحوّل البلاد إلى «بالوعة واسعة مزركشة». كما تنبّأ بصفة مبكّرة بحكم «البورجوازيين والانتهازيين» و«جلّادي الشعب». هكذا، أصبح مصدر إزعاج متواصل لجزء من السّلطة... يوم 30 أوت/آب 1973، عُثِر عليه مقتولا في الجزائر العاصمة داخل الدّهليز الذي ظلّ يعيش فيه معزولا ومُفلسا منذ سنوات طويلة. سيظلّ لغزُ مقتلِه بلا حلّ.
التقى سبيلُ جان سيناك بسبيل المناضلة الشيوعيّة والشّاعرة آنا غراكي وجمعتْ بينهما الصّداقة(2). وغراكي جزائرية «تكتب بالفرنسية»(3) مثل سيناك وهي من مواليد سنة 1931 بالأوراس حيث تربّتْ مع البربر الشّاوية. بحكم تعلّقِها بموطنها الأصلي الذي «لا يَحتاج فيه أيّ بيت إلى الأبواب لأنّ الوجوه تفتح في الوجوه»، التحقتْ بصفوف جبهة التّحرير الوطني. إثر اعتقالها خلال شهر مارس/آذار 1957، تعرّضتْ إلى التّعذيب وقضّت في السّجن قرابة السّنتين قبل أن يتمّ ترحيلُها إلى التّراب الفرنسي. بعد رحيل الفرنسيين، استقرّت غراكي بالجزائر العاصمة وتحمّست لبناء «جزائر ديمقراطيّة شعبيّة اشتراكيّة». لكنّها سرعان ما أدركتْ الانعطافَ الاستبدادي لنظام العسكر. لقد ندّدت بخيانة المُثُل الثّورية من طرف «القُروش» و«المُزوّرين» أصحاب الياقات الخضراء. توفّيتْ غراكي في سنّ الخامسة والثلاثين. تضمّ المجموعةُ التي تقترحُها دار النّشر الفتيّة «تيراس» حوالي عشرين قصيدة باللّغتين، ومختارات من مقالاتها وكتيّبا تخليدا لذكرها حرّره نظراؤها. حيّا سيناك التزامَ هذه المرأة التي لم تتخلّ عن هذه «المعركة الجماعيّة من أجل سعادة الفرد: الاشتراكيّة».
1) جان سيناك «الأعمال الشعريّة»، تقديم روني دو سيكّاتي، مُلحق بقلم حميد ناصر-خوجة، آكتسيد، آرل، 2019 (طبعة أولى: 1999)، 835 ص، 29 يورو.
2) آنّا غراكي «ما فوق الصّمت مباشرة»، ترجمة وتقديم لميس سعيدي، تيرّاس، مرسيليا/باريس/الجزائر العاصمة، 2020، 208 ص، 11 يورو.
3) حسب عبارة سيناك. لقد طرح بمعيّة غراكي مسألةَ وضعيّة اللغة الفرنسية وكذلك البربريّة واللّهجات في الجزائر المستقلّة طرحًا
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /