اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

من‭ ‬الخـــط‭ّ ‬إلى‭ ‬القصيـــدة

كمكبـّـر صوت وكَحامل لأحلامٍ يقترح علينا عاملان كتابيْن هما بحُكم استمدادهما من الرّفض الفاعل للاستغلال والمصنع لا ينتميان لا إلى علم الاجتماع ولا إلى الشهادة بل بكلّ بساطة إلى الأدب والأقوال والرّؤى. هكذا، يُعتبَر كتاب «عودة إلى السطر» لمؤلفه جوزيف بونتوس بمثابة القصيدة الواقعيّة الطويلة(1). بونتوس الذي تربطه صلة قرابة بعيدة بالشاعر بونتيوس دو تيار وبعد أنْ تابع دراسات معمقة وعمل بصفة مُدرّس مختصّ انتقل من مدينته ليلحق برفيقته. وجد نفسه بلا شغل وأصبح بحكم «الحاجة إلى المال» يتعاطى العمل بالسلسلة (الذي أصبح يعرف بـ «الخطّ») في مجال الصناعات الغذائيّة. من عمل ظرفي إلى آخر، وجد العاملُ نفسَه يتنقـّـل من مصنع للأسماك إلى مسلخ... عرف ساعات العمل غير الثابتة، والتّعب والاكتشافات، إذ كتب عن العمل، والرّفاق، والأحاسيس، في نوعٍ من اليوميّات مُقسّمة إلى سبعين مقطعا تأبى الانخراط في السّرد والتـّسوية، ولكنـّها تبحث عن الحقّ في اللـّـغة ذاتها. لا وجود للتنقيط، بل هناك إيقاع وتقسيم إلى مقاطع.
«أكتب كما أفكـّـر وأنا في سلسلة الإنتاج
أمام أفكاري وحيدا وحازما
أكتب كما اشتغل
في السلسلة
إلى الخطّ»
إنّ العمل قائم هنا، ملموس، مع التّضامن والاعتزاز والفكاهة التي تـُـباعد عن التـّـعب. الجسد المُنهَك تخترقه الأفكار والصّور والذكريات. يمرّ كلّ من الكسندر دوما، وبول كلودال، وغيّوم ابولينار، ووجه أمّه، والمرأة التي أحبّ، والكلب «بك بك»، والأغاني، والرفاق الذين يحيّيهم «بونطوس» في الختام واحدا واحدا. لقي الكتابُ انتشارا واسعا، ونال خمس جوائز منها جائزة «أوجان دابيت» للرواية الشعبويّة، والجائزة الكبرى لمحطّة «آر.تي.آل.» للقراءة، ولعلّ ذلك أن يكون علامة على[نشوء حساسيّة جديدة.
أمّا سيليان لاريوس العامل في مجال الصُّـلـْـب فقد عمل طيلة حياته بنظام العمل المتسلسل، ولكنّ كتابه «برج ماليفوز»(2)لا يشير إلى المصنع بشكل مباشر، وذلك خلافا لروايته الأولى(3) التي تُحْيي السّنوات الثلاث التي قُضِيتْ في النضال ضدّ الغلق المبرمج لمصنع «بي.إس.آ.» في «اولني سو بوا» والتي ساهم فيها الكاتب بنفسه. هو كاتب مُحبّ لمارسال بروست ولويس-فرديان سيلين، يكتب بلغة خشناء وغاضبة ومتقطّعة ما علـّـمته إيّاه الحياةُ القاسية، وتجارب الآخرين، ودافعه الداخليّ. ثمّ إنّه لا يثق بالآلات التي صمّمها عالم غير مقبول، قاتلٌ للرّغبة، كما يتجنّب الشهادات التي لا تقدّم من الواقع سوى وجه واحد. أمّا كتابه الثاني، وهو «قصّة»، فقد ألـّـفه إثر إقامة له في «ماليفوز» الواقع في منطقة «فالاي» (بسويسرا)، وهو مستشفى للأمراض النفسية لا أقفال له ولا ميدعات بيضاء، يدعو الفنّانين إلى الإقامة داخل «حيّ ثقافي». بعيدا عن كلّ عمل استقصائيّ، نجد أن الذين ألفوا المكان والذاكرة والكوابيس والليل وفرحة اللقاء والحفلات في جمال لغة حادّة هم الذين يشكـّـلون محتوى الكتاب. يقول المؤلـّـف: «كلّ ما تمّت روايتـُـه (...) من نسْج الخيال، خيال محض. أما الواقع الوحيد فموجود في مكان آخر». في نهايته، نعثر على كرّاس ينقل رسومَ «فيليب فغرّازي» التي أنجزها، كما يقول للتـّـدقيق، بواسطة «مرايا صغيرة، ورقائقَ، وحجارة لا قيمة لها، وألوان دافئة» تذكـّـرنا بالفنّ الخامّ. هي طريقة لحدْس الهُناك...
إنّ التـّـشكيك، بما في ذلك ما كان منه شكليّا، في النّظام القائم، في قصّة «أرتور ماكوا» الحاصلة على الجائزة الكبرى للمخطوط الفرنكفوني، والتي تولـّى نشرها عبر منشورات «النّات»، وهي علامة رقميّة تنشر على حساب المؤلـّـف، تشكيكٌ غير وارد. تكمُن قيمة الكتاب بالفعل في هذا الرّضى بالقواعد والقيم رغـْـم كوْنها تـُـقصيه(4) إن صاحب الكتاب حاصل على شهادتيْ ماجستير عندما كان عمره 27 عاما، وبعد إجراء تربّص متميّز في مؤسسة كبرى بـ «لا ديفنس» وجد نفسه عاطلا عن العمل، فعاش سنة من العذاب انتهت به إلى المستشفى. لذلك فكـّـر ووضع نفسه موضع تفكير، وروى قصّته بنفس عبارات تسيير المؤسّسات. إن طموحه هو النـّـجاح في مجال الأعمال. ثمّ إن ما ينبغي عليه أن يتوصّل إلى تسويقه ليس قوّته في العمل بل هو كيانه ذاته. طابعه الخاصّ. فإذا فشل في ذلك فإنّ في ذلك برهانا على تفاهته. أمّا الصّراع الطبقي، والسياسة فهو لا يعرفهما. عندما يشرع في الكتابة يشعُر بأنّه نجا، ولكنّه سينشر عملَه تحت اسم مستعار خوفا من أن يظلّ اسمه «مقترنا بالبطالة في كلّ محرّكات البحث»...
 
 
 
1) جوزاف بونتوس، «إلى السلطة. أوراق من مصنع»، منشورات «مائدة مستديرة»، باريس، 2019، 272 ص، 18 يورو.
2) سيليان لاريوس «برج مالفوز»، منشورات «كريز ومانفستسيون - ماليفوزحيّا ثقافيا»، بانيولاي، 2019، 112 ص، 13 يورو.
3) سيليان لاريوس، «مصنع الجثث أو نهاية مصنع للسيّارات شمال باريس»، منشورات «ليبرتار»، سان-جورج دوليرون، 2013.
4) أرتور ماكوا، «من الأعماق II. أفكار حامل شهادات شابّ غريق الشّغل»، منشورات النـّات، 2019، 138 ص، 14.90 يورو.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /