اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

حــالــــــة‭ ‬يــســـمـــى الـــرغـــــــبـــــة

بالرغم من كل الهجمات التي يتعرض لها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بقي يـُنظر إلى نظام التقاعد الفرنسي على أنه حق متواصل في الأجر. منطق يستحق لا فقط أن الحفاظ عليه بل تدعيمه.

هناك صراع قديم قائم بين رؤيتيْن للتّقاعد. وُلِدتْ الأولى سنة 1853 في الوظيفة العموميّة وتًعتبر الجرايةَ تواصلا للرّاتب: المتقاعدون هم شغّالون تمّ تسريحُهم من سوق الشغل. أمّا الثانية التي شـُرع في تطبيقها سنة 1850 مع انبعاث الصندوق الوطني للتّقاعد من أجل الشيخوخة فتعتبر أنّ الجراية تُسنَدُ مقابل الاقتطاعات.
اليوم، تحوز المقاربةُ الأولى على الأغلبية المطلقة. مع بعث النظام العامّ الموحّد للضّمان الاجتماعي الذي يُسيّره الشغّالون سنة 1964(1)، توسّع نظامُ التّقاعد المعمول به في الوظيفة العموميّة ليشمل القطاع الخاصّ. في سنّ مُعيّنة، تعوّض الجرايةُ راتبا مرجعيّا حسب الثلاثيات المُحْتَسبة، متى تمّ الحصول على قدر أدنى من الأجر، ولا يتمّ الأخذ في الاعتبار مطلقا لمبلغ المساهمات التي دفعها المعنيّ بالأمر. لمتقاعدي النظام العامّ الحقّ في الرّاتب في حدود نصف السّقف المحدّد من طرف منظومة الضّمان الاجتماعي، أيْ 1688.50 يورو سنة 2019، أمّا بالنسبة إلى المتقاعدين من الوظيفة العموميّة أو أنظمة القوانين الأساسية فيحصلون على %75 من أفضل راتب خام تحصّلوا عليه بالنسبة إلى مسيرة مهنيّة كاملة. هكذا، يـُـمثـّـل الرّاتب المُتواصل ثلاثة أرباع جرايات التّقاعد (240 مليار يورو من مجموع 320 في السنة).
لكنّ ذلك لا ينطبق على الجراية التكميليّة لأجراء القطاع الخاصّ التي تمّ تعميم العمل بها سنة 1961 عبر جمعية نظام التقاعد التكميلي للأجراء (آركو). تتّخذ هذه المؤسسة كمثال الجمعية العامّة لمؤسّسات تقاعد الإطارات التي أنشأها أربابُ العمل سنة 1947 ردّا على النظام العام الذي يُنزّل لفائدة مضمونيه جراية إضافية يتمّ احتسابُها على قاعدة احتساب مجموع النّقاط.ان المتقاعدين ليسوا شغّالين بل هم مواطنون غير نَشطين من حقّهم الحصولُ على مُؤخّر جملةِ مساهماتهم أثناء الفترة النّشيطة المُودَعة في حساب خاصّ.
رغم هذا الإخلال، بقي نظام التقاعد يعمل بشكل واسع على أساس أنّ التقاعد هو حقّ في الرّاتب إلى أن بدأت عمليّات«الإصلاح» مطلعَ التسعينات. كانت نسبةُ تعويض آخر راتبٍ صافٍ بأوّل جراية صافية بالنّسبة إلى أجراء القطاع الخاصّ الذين اكتمل مسارهم المهني والمولودين سنة 1930 تبلغ في المعدّل %84 منها، وذلك حسب نِسَبٍ تتراوح بين %100 بالنسبة إلى آخر مكافأة معادلة للرّاتب الأدنى وبين %60 بالنسبة إلى آخر راتبٍ يفوق مبلغ 3000 يورو(2). بهذا نقف على النّجاح المحقّق في تثبيتِ الحقّ في الرّاتب بالنسبة إلى المتقاعدين، والذي يسعى المحافظون سواء من اليمين أو من اليسار إلى مُحاربتِه بنفـْـس الإصرار.
سنة 1991، أوصى رئيس الحكومة ميشال روكار بتغيير كيفيّة احتساب الجراية بالرّفع في مدّة الضّمان إلى ما فوق الأربعين سنة، مع الأخذ في الاعتبار الخمس والعشرين سنة الأفضل في الرّاتب عوضا العشر سنوات(3). لقد سارع ادوارد بالادور بفرض هذه التّدابير سنة 1993، ثم جاءت الحكومات اللاّحقة وشدّدتْ فيها إلى درجة نزلتْ معها نسبة التعويض المتوسّطة منذ ذلك الوقت بعشر نقاط. بعد ثلاثين سنة من الإصلاحات، اعتبر الرئيس ايمانويل ماكرون أنّ الثّمرة قد نضجت وحان موعد القطع مع الحقّ في الرّاتب بالنسبة إلى المتقاعدين: لم تعد المسألة تتعلـّـق بالتخفيض في جرايات التّقاعد فحسب، بل كذلك بتعويض الحقّ في راتب مُتواصل بتنزيل مْؤجّل للمُساهمات. في المحصلة، تنظيم المنظومة العامّة ونظام الموظّفين، ونظام الأجراء الخاضعين لقانون أساسي وفقا لنموذج النّظام المعاكس لكل واحد منها: نظام التقاعد التكميلي للموظّفين ونظام تقاعد الإطارات.
كيف السبيل إلى الخروج من الهزيمة التي تواصلتْ طيلة السّنوات الثلاثين الأخيرة؟ صحيح أنّه قد تمّ الحُصولُ على التقاعد كحقّ متواصل في الرّاتب لكن مع حدّيْن ينبغي اليوم تجاوزُهما. من جهة، لم يعدْ من الممكن الترفيع في الجراية، ومن جهة أخرى، يتم تغيير الرّاتب المرجعي بحسب مدّة النشاط الفعلي ما يؤدّي إلى معاقبة العاملات بشكل مُجْحف. في النّظام الحالي، يتحوّل فارق المكافآت بين الرجال والنساء الذي يبلغ 25 نقطة إلى هوّة تُقدّر ب 40 نقطة من جراية الحقّ المباشر –علما أنّ الفارق بدون إصلاحات سيبلغُ رغم ذلك 30 نقطة وفي هذا إشارة إلى أنّه ينبغي تغيير هيكليّته القائمة(4). من جهة أخرى، تُناقض فكرة ربط التقاعد بشرط مدّة محدّدة من النشاط الفعلي المشروع الأساسي الذي يهدف إليه الحقّ في الّراتب: ذلك أنّ المتقاعدين هم شغّالون سُرّحوا من وظائفهم وجرايتهم تُعبّر عن مساهمتهم الحاليّة، لا الماضية، في إنتاج القيمة(5).
خمسون سنة،
اللحظة المناسبة لتسريح الأجراء
إن التحمّل الصّريح لمسألة الحقّ في الرّاتب المرتبط بالشّخص المعني يفترض تقديم السّنّ إلى خمسين سنة، على سبيل المثال. سن التقاعد هذا، الذي تحصّل عليه جزء من البحّارة وعمّال المناجم، وأعوان الشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسيّة، والإدارة المستقلّة لوسائل النّقل بباريس(6) يتزامن مع مرحلة في المسار المهني يكون فيها خَطر الفصْل من العمل مع صعوبة العثور عن عمل جديد في أوْجِهما. كما أنّها سنّ يكون فيها العامل في بعض الأحيان قد عاش كلّ مراحل عمله، وتكون الأعمال الشاقّة وساعات العمل غير العادية قد أثـّـرتْ في صحّته، وتكون الانعطافة القاتلة التي يفرضها التّسيير حتى على أكثر الأنشطة نجاحا باعثةً على الحنق، ولكن في هذه السن لا خيار للعامل سوى البقاء بحكم ارتباط الرّاتب بالوظيفة... هكذا يبدو سنّ الخمسين الوقت المناسب لتسريح الأجراء من سوق الشّغل. ما إنْ يتمّ بلوغ هذه السّنّ حتى يحصل كلّ فرد حيّ على راتب يساوي على الأقلّ الأجر المتوسّط (2300 يورو، اليوم) مع سقف يبلغ على سبيل المثال 5000 يورو صافية في الشهر. قد يكون هذا الراتب حقّا سياسيّا، مع إمكانية تطوره حتى الوفاة عن طريق اختبارات تأهيل .ليست هناك أيّ إشارة إلى اعتبار المساهمات السّنويّة أو الثلاثيّة في احتساب الجراية: التّقاعد لا يعني الدخول في مرحلة البطالة، بل يعني الانخراط في نشاط حرّ يكافَأ عليه براتب غير مرتهن بالشغل بل بالشّخص وتتولـّـى صرفـَـه صناديق الضمان الاجتماعي بدلا من المؤسّسات.
هذه الطوباوية الملموسة تُواجِهُ بلغة القانون والمسؤوليّة واحدا من ركائز الرأسماليّة: في ظلّ هذا النّظام، يصبح العمل المنتج خارج نطاق الشّغّالين. الواقع أنّ هؤلاء ليس معترفا بهم كمنتجين بوصفهم أشخاصا ولكن بوصفهم باعة قوّة عاملة. هم لا يمارسون أيّ مسؤولية على العمل المُنتِج الذي تنظّمه البورجوازيّة الرأسماليّة. من المعلوم أنّ تحصيل هذه الصلاحيّة يفترض امتلاك أداة العمل. لكنّ نظاما موحّدا للحقّ في الراتب في سنّ الخمسين يمكن أن يساهم في كسْرِ الحاجز الفاصل بين الشّغّالين من جهة، وبين غايات وسائل الإنتاج من جهة أخرى.
إنّ القيمة الانثروبولوجية للعمل لا تنبع من فائدة الممتلكات والخدمات المُنْتَجَة فحسب بل وكذلك من القيمة الاقتصاديّة التي تنجرّ عنها. إنّ حرمانَها من هذا البُعد عبر الإعلان عن نهاية العمل المنتِج مع بداية التقاعد يعني تطبيقَ نفس العنف الاجتماعي –باسم العُمُر- الذي يُمارَس تقليديا باسم النوع الاجتماعي (عمل النّساء في المجاليْن العامّ والخاصّ يُعتبر «نافعا بلا شكّ ولكنّه غير مُنْتِج»).
إنّ اعتبار المتقاعدين عاملين، والطّعن في شرعيّة وجود فترةٍ من الحياة «بعد الشّغل» يمثّل كذلك خطوة حاسمة لنزع الشّرعيّة عن وجود فترة بلوغ «قبل العمل»، هذا المسار المُؤذي المُؤَدّي إلى الاندماج الذي عاشه أغلب الأجراء الذين وُلدوا في مطلع السبعينات. إنّها إذن مرحلة نحو الحقّ السياسي في الراتب منذ سنّ18 عاما. تحت هذا النظام الذي تمّ وضعُ خطوطه الكبرى مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يتحتّم علينا اليوم تعميمُه، من حقّ كلّ من بلغ18 سنة أن يمارس حقّه لا في الانتخاب فحسب، بل كذلك حقوقه المتلازمة في ملكيّة أداة العمل، و في راتب يـُـؤكـّـد الاعترافَ به بصفته مُنتجا للقيمة. أنّ يكون الفرد مواطنا لن يكون مقتصرا في المستقبل على دفع الضّرائب والتّخلـّـي عن إنتاج القيمة لفائدة منطق الاقتناص الذي يمارسه رأس المال، بل يتمثـّـل في ممارسة نصيبه من مسؤولية الإنتاج.
يمكن للمتقاعدين أن يصبحوا طليعة هذا الفتح. بحُكـْـمِ تصرّفِهم، وهم في سنّ الخمسين، في رواتبهم كحقّ سياسي، يمكن أن يقرّروا مغادرة مؤسّستهم أو البقاء فيها. في الحالة الأولى، يمكن تشجيعُهم على الالتحاق بهذه المنظّمات البديلة التي تكاثرتْ اليوم في مجال الحِرَف اليدويّة والفلاحة والخدمات. يمكن لخبرة المتقاعدين الشبّان أن تساهم في الجدوى الاقتصاديّة لهذه المؤسسات التي ليست مطالبةً بدفع رواتب، ولكنّ مساهماتها هي التي تموّل هذا الجهاز. فعوض العمل التطوّعي الذي ينحصر في نطاقه اليوم ملايينُ المتقاعدين الذين يحشرون ضمن طائفة غير المنتجين، يمكن لهذا النّموذج أن يحرّك قطاعا شيوعيّا، أي قطاعا يقرّر فيه الشّغّالون كيف ينتجون ولماذا وكيف ينتجون.
أمّا المتقاعدون الذين يفضّلون مواصلةَ نشاطهم داخل مؤسّساتهم فيتمتّعون بحماية تَقيهم الطّردَ، شبيهةٍ بتلك التي يتمتّع بها المندوبون النقابيّون اليوم، ويمارسون مسؤوليّة في تنظيم العمل الفعليّ. لا يمكن للمؤسّسات البديلة أن تظلّ وحدها حاملة لإنتاج يتحكّم فيه الشغّالون أنفسهم. في المجموعات الكبرى كما في داخل المصالح العمومية المرتهنة لأسلوب تصرّف رأسماليّ، على الشغّالين أن يستحوذوا على مسؤولية التنظيم الذاتي. ولكيْ يتمّ ذلك ينبغي توفّر أجراء من ذوي الخبرة، يحميهم راتبُهم مدى الحياة وغير قابلين للطّرد. سيجدُ العمل النقابي في هؤلاء الخمسينيين المتقاعدين أشخاصا فاعلين في المواجهة مع إدارات في خدمة أصحاب الأسهُم والتّسيير اللاإنساني.
تُرى من كان يتصوّر أنّ النّزاع حول التقاعد يُسْفرُ عن هذا القدْر من الآمال والرّغبات؟
1) برنار فريو وكريستين جاكس: «قصّة أخرى للضّمان الاجتماعي»، لوموند ديبلوماتيك، ديسمبر/كانون الأول 2015.
2) « التقاعد: تجديد العقد الاجتماعي بين الأجيال»، مجلس توجيه التقاعد، الوثائق الفرنسية، باريس،2002.
3) «كتاب أبيض حول التقاعد. ضمان تقاعد الغد في نطاق الإنصاف»، المندوبيّة العامّة للتخطيط، الوثائق الفرنسيّة،1991.
4) هذا التقدير للحجم يستند إلى فصل–للتّحديث- أنجزتهُ كارول بونّاي وصوفي بوفطو وباسكال غودفروا،«تأثير إصلاحات التقاعد في التّفاوت في مستوى النوع الاجتماعي بفرنسا»، سكّان، مج. 61، عدد1، باريس،2006.
5) برنار فريو،«التقاعد، كنز لا يمكن تصوّره»، لوموند ديبلوماتيك، سبتمبر/أيلول 2010
6) يمكن للعسكريين، ولراقصي أوبرا باريس وللموظّفين الذين في كفالتهم ثلاثة أبناء، مع توفـّـر بعض الشروط، تصفية مسألة تقاعدهم قبل هذه السّنّ.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /