اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

الـرجـــــوع‭ ‬بـالـتـاريـــــخ

منذ سنة 2011، وما سمي وقتها «الربيع العربي»، شكلت تونس استثناء ضمن مجموعة جغرافية موسومة عميقا بالحروب الأهلية (سوريا، ليبيا، اليمن) أو بالسلطوية العنيفة (مصر) أو بالاستبداد شبه الإقطاعي (ممالك الخليج). في الوقت الذي تواجه فيه كل من الجزائر والسودان صعوبات في التحرر من الديكتاتوريات العسكرية، تواصل تونس، رغم العراقيل، طريقها نحو الديمقراطية ودولة القانون. لكننا نجهل الكثير تاريخيا عن هذا البلد الصغير الذي لا يملك موارد طبيعية كبيرة. هذا ما يزيد بقدر وافر من أهمية الكتاب الضخم الذي نشرته مؤخرا المؤرخة صوفي بسيس(1).

 

تونس هي قبل كل شيء 3 آلاف سنة من التاريخ، عرفت خلاله البلاد عديد الفتوحات والغزوات المتتالية. شهد هذا البلد البربري والبونيقي، في دفعات متلاحقة غزوات الرومان والوندال والبيزنطيين والعرب والعثمانيين ثم الفرنسيين. في كل مرة، تطال البلد تغيرات وتحولات عميقة، دون أن يفقد خصوصياته وطابعه المميز. لم تقتصر صوفي بسيس في مؤلفها على تقديم رواية مبسطة ذات طابع تسلسلي، على ما يكتسيه ذلك من أهمية لا سيما في ما يتعلق بفترة القرون الوسطى، وإنما طرحت عملية تفكير محفزة حول كتابة التاريخ والعوائق الجسيمة التي يتوجب تخطيها عندما تتعلق المسألة ببلد مغاربي. فهي، على سبيل المثال، تذكر بأن تونس لم تولد سنة 670، تاريخ تأسيس مدينة القيروان من قبل الفرسان الذين أتوا من الشرق محملين بدين جديد، هو الإسلام. لقد جعل الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية التونسية (1957ـ1987) من الحقبة التاريخية السابقة للحقبة الإسلامية حجة بالغة الأهمية من أجل إرساء تصور فريد، لا يزال قائما: «الخصوصية التونسية». إنها طريقة للتميز عن النزعة القومية العربية التي كان ينادي بها الزعيم المصري جمال عبد الناصر. نعم، تونس بلد عربي ـ إسلامي، ولكن ليس هذا فقط... وقد أتاح هذا الخطاب أيضا لبورقيبة الصمود في وجه التصريحات الفرنسية، التي تنزع دوما للحديث عن مغرب عربي يفتقد لتاريخ كبير أو للتأكيد على الحقبة المسيحية قصد تبرير الاستعمار...

 

وتفضل صوفي بسيس عبارة «الإستثناء التونسي»، التي تراها أكثر دقة، عن عبارة «التفرّد التونسي». هي طريقة للقول بأنه هنالك فعليا مجالات فيها الإستثناء حقيقي وواقعي: التقاليد الإصلاحية، عراقة الدولة والإدارة التي يمتد تاريخها لعدة قرون، التشريعات المناصرة لحقوق النساء، ثقافة التوافق السياسي، وجود تقاليد نقابية حقيقية... غير أنها تذكر بأنه توجد أيضا مجالات أخرى لا فرق فيها بين تونس وجيرانها، مثلما برهنت على ذلك السلطوية الديكتاتورية للرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وإنكار حقوق الأقليات الدينية غداة الاستقلال. في الخريف المقبل، سيتوجه الشعب التونسي مجددا إلى صناديق الإقتراع، في ما يمكن اعتباره امتحانا هاما لتجربته الهشة في مجال الانتقال الديمقراطي. من شأن قراءة كتاب صوفي بسيس حيازة معطيات تاريخية تيسر فهم مصادر ومسوغات التفرّد التونسي.

 

أما المختص في الشؤون السياسية، نجيب سيدي موسى، فيقترح على القراء نظرة متجددة لتاريخ استقلال الجزائر(2). خلافا للفكرة السائدة، لم يكن حزب جبهة التحرير الوطني (FLN) الفاعل الوحيد في المعركة من أجل الاستقلال. الحركة الوطنية الجزائرية (MNA) بقيادة الزعيم التاريخي مصالي الحاج، الذي انكب المؤلف على درس مسيرته، كان في المحصلة أحد أكبر الخاسرين في حرب الجزائر في أعقاب تهميشه، وغالبا بصورة عنيفة، من قبل حزب جبهة التحرير. بالاستناد إلى وثائق أرشيفية لم يسبق نشرها، يتيح نجيب سيدي موسى للقارئ فهم كيفية ولادة الفكرة الثورية في الجزائر، مثلما روج لها تيار مصالي الحاج، وكيف إفلتت هذه الفكرة، في نهاية الأمر، من أيديهم.

 

1) صوفي بسيس، «تاريخ تونس، من قرطاح إلى اليوم»، نشر «تالانديي»، باريس، 2019، 528 صفحة، 23،90 يورو.

 


2) نجيب سيدي موسى،«الجزائر. رواية أخرى لتاريخ الاستقلال. المسارات الثورية لأنصار مصالي الحاج»، المنشورات الجامعية الفرنسية، باريس، 2019، 328 صفحة، 22 يورو.

هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /