اشتراك تبرع

لست مشتركاً بعد

اختيار الصيغة الخاصة بك وإنشاء حسابك للوصول إلى الموقع بأكمله.

اشتراكات المؤسسات

انقر هنا للدخول عبر حساب شركتك، جامعتك أو مؤسستك ... دخول
نشرية شهرية اخبارية نقدية تحليلية
Le Monde diplomatique

في‭ ‬مواجهـة‭ ‬بروكسيـل،‭ ‬رهان‭ ‬العصيـان

هل يجب علينا العصيان؟ إذا كانت الإجابة بنعم فكيف ذلك؟ يذهب مجمل اليسار في أن المعاهدات الحالية تمنع سياسة تقدم اجتماعي. فيما بعد، تختلف الإستراتيجيات. بالنسبة لوزير الإقتصاد اليوناني الأسبق يانيس فاروفاكيس، وحدها حركة عابرة للدول تقدر على تغيير أوروبا. أما مرشح حركة فرنسا الأبية توماس غينولي فيقدر أنه من الضروري التشكيك في المعاهدات الأوروبية بشكل حيني.

الاتحاد الأوروبي ليس دولة خارقة تفرض إرادتها دون هوادة على الدول الأعضاء، وهو ليس كذلك دولة فيديرالية تمتلك سيادة أوروبية. هو في الحقيقة منظمة دولية: تأسـّس وجودها على معاهدات، شأنها في ذلك شأن منظمة حلف شمال الأطلسي، على سبيل المثال. الواقع أن أعضاءها يحتفظون بسيادتهم، ولا يمتثلون لقواعدها إلا لأنهم راضون بها بموجب المصادقة على معاهداتها.
عدم الامتثال أمر قانوني. يـُسمى ذلك خيار الانسحاب وبفضل تلك الآلية، يمكن لدولة أن تقـرّر–في سيادة تامة- أنها تنسحب من جزء من قوانين الاتحاد الأوروبي. يمكنها أن تتفاوض بشأن خيار آخر من أوّل الأمر، وبذلك، حينما أصبحت اتفاقيات «شنغن» جزءا لا يتجزّء من قوانين الاتحاد الأوروبي وقواعده، إثر معاهدة أمستردام (1997)، حصلت المملكة المتحدة وإيرلندا على إمكانية عدم تطبيقها. يمكن لأيّ دولة أن تتفاوض كذلك بشأن اتفاقية بعد دخولها حيز النفاذ إذ تفاوضت المملكة المتحدة -مثلا – بشأن خيار الانسحاب من الميثاق الاجتماعي الأوروبي لسنة 1989 (قبل أن توافق عليه بعد عدة سنوات). كما يمكن لخيار الانسحاب أن يكون أيضا بقرار من الدولة العضو دون تفاوض في ذلك. في 2003، نظـّمت السويد استفتاء وطنيا حول اليورو، ولما فازت «لا» بنسبة %56 من الأصوات، أعلمت المفوضية الأوروبية بأنها لن تتبنى تلك العملة، ما يمثل خيارا بالانسحاب دون تفاوض. كان رد فعل المفوضية صاعقا: لقد سجلت ذلك.
ويوجد شكل آخر من أشكال عدم الإمتثال –أشد فظاظة- ويتمثـّل في عدم احترام قاعدة من قواعد الاتحاد الأوروبي، والتعويل على وضع العضو الخاص باعتبارها قوّة كبرى للإفلات من كل عقاب. هذا ما تفعله ألمانيا، التي لفرط استخدامها الإغراق الجبائي والاجتماعي أعلنت فائضا جاريا مهمـّا جـدّا – %7.7 من الناتج الداخلي الخام سنة 2014 بدل %6 المسموح بها(1). كان ينبغي – منطقيا– أن تـُعاقب على ذلك حسب القانون الأوروبي عدد 1176/2011.
يمكن إلى جانب ذلك تصـوّر إعداد معاهدة أخرى. بعد معاهدة ماستريخت، سنة 1992، جاءت معاهدات أمستردام(1997)، ونيس (2001) ولشبونة (2007)، وكذلك معاهدة الميزانية(2012). بعبارة أخرى يمكننا أن نقول أن المصادقة على معاهدة جديدة، وهو أمر يـُفترض مستحيلا، تتـمّ كل خمس سنوات كمعدّل.
يمكن لشكل جديد من أشكال البناء الأوروبي أن يولد دون صعوبة في كلّ حين، لأن الاتحاد الأوروبي لم يكن له البتـّة محتكرا لأوروبا. منظمات عديدة تتنضـّد وتتجاور، دون أن تتطابق مجالات عملها بالضبط. يمكن أن نذكر، إلى جانب الاتحاد، البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بل يمكن لعديد المنظمات أن تتعايش، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا.
مسار تفاوضي مبني على موازين قوى وسياسات تحالفية
لايقوم البركسيت دليلا على استحالة التفاوض، لا في حالة خيار كبير بالانسحاب، ولا في حالة المصادقة على معاهدة جديدة بالنسبة إلى كامل أوروبا. بالفعل، لم تحصل أي مفاوضات قبل قرار البريطانيين الذي كان نتيجة استفتاء (%52)، بمغادرة هذه المنظمة الدولية بشكل أحادي.
غير أن المعاهدات الحالية، وجميع المعاهدات السابقة، لا يمكن تعديلها إلا بإجماع الدول الأعضاء أو أنها لا تنصّ على إجراءات مراجعة. إلا أنه من الخطأ أن نستخلص من ذلك استحالة إصلاح الاتحاد. تقوم التجربة حجـّة على ذلك: بدل استخدام إجراء التعديل بالإجماع، احتالت الدول الأعضاء على تلك الصعوبة بالإكثار من المعاهدات.
تعتبر استراتيجيتنا القائمة على عدم الانصياع إستراتيجية دبلوماسية، أطرافها سائر حكومات الدول الأعضاء، التي تكون أهمّ محاورينا. من الممكن أن تكون جميع الحكومات تارة حليفة لنا وطورا خصوما لنا. بعبارة أخرى، ننخرط في عملية تفاوض مؤسسة في الوقت نفسه على ميزان القوى، وعلى لعبة تحالفات متطـوّرة. لن يكون محاورونا أصناما من الملح لا يتكلمون، وتكون النتيجة النهائية ثمرة تفاعلاتنا. ينبغي لهذه الإستراتيجية أن تتـّخذ شكل سيناريو بأدراج كثيرة، حتى تشمل مختلف الحالات المتوقـّعة.
يبدأ تطبيق ذلك في اليوم الذي يتسلـّم فيه حزب«فرنسا الأبدية» أو، إن لم ينجح، قوّة سياسية أوسع تمثيلية تأخذ السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. ستقترح الحكومة الجديدة على سائر الدول الأعضاء، أن تصادق على معاهدة تجديد تأسيس الاتحاد الأوروبي(2)، لتعويض المعاهدات الحالية. يشمل ذلك المقترح التحوّلات البيئية والاجتماعية التي نراها ضرورية. يجب أن يكون الانتقال البيئي لمنظومتنا الاقتصادية والطـّاقية قائما على مخطـّط واضح، ليكون إجباريا. يجب أن تنتقل السياسة الزراعية المشتركة من زراعة إنتاجية إلى زراعة في خدمة الفلاحين، مسؤولة بيئيا، ومؤسسة على نظام المحاصصة. ينبغي تركيز حمائية أوروبية تضامنية، أي اقتراح معاهدات جديدة على القوى الاقتصادية الأخرى تهم التجارة العادلة، وتوظيف رسوم على التوريد حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للإنتاج والتوصيل.
يجب إلغاء واجب التقشـّف في الميزانية، ووضع التنسيق الجبائي والاجتماعي على السكة، في أعلى هرم الاتحاد بكامله. كما يجب الكفّ عن سياسة الخوصصة القسرية للمرافق العمومية لتحويلها إلى أسواق بيد أوليغارشيات سياسية، وينبغي أن يكون بوسع الدول الأعضاء إعادة تأميم المرافق العمومية التي مسـّها ذلك. لا بد من وضع مهلة لتسديد الديون العمومية، بهدف تقييم حجم «الديون الجائرة»، من خلال عمليات تدقيق مواطنية. يجب كذلك إلغاء استقلالية البنك المركزي الأوروبي إزاء الحكومات، لتصبح أولويات سياسته النقدية هي التشغيل الكامل، والانتقال البيئي، وإعادة شراء ديون الدول الأعضاء. نهاية، ينبغي إقرار رسوم على العمليات المالية (رسوم«توبين»)، والفصل الصارم بين بنوك الأعمال وبنوك الإيداع، من أجل فرض انضباط النظام المالي.
حسب هذه الإجراءات، يمكننا أن نرضى بإدراجها في معاهدة أوروبية جديدة، باعتبارها غاية نسعى إلى إدراكها على المدى المتوسـّط، أو جعل تفعيلها، على العكس، شرطا مباشرا للانضمام. ما من شك في أن مبدأ المفاوضة نفسه يقتضي أنه لا يمكننا–بالضرورة – الحصول على كلّ ذلك. لكن مهما يكن من أمر، فالمسألة بيد الشعب الفرنسي في المصادقة أو عدمها على ثمرة المفاوضات، وذلك من خلال تقرير ذلك بواسطة استفتاء.
وفي انتظار نتيجة التفاوض، لم ترضخ فرنسا لأي من القواعد والقوانين التي تحول دون تطبيق برنامج حكومة «المستقبل المشترك». سيكون ذلك – إذن– خيار الانسحاب الأحادي المؤقـّت لتصبح بعد ذلك ثلاثة مخارج ممكنة:
الأولى: تبنـّي معاهدة تعيد تأسيس الاتحاد الأوروبي من قـِبل الدول الأعضاء.
الثانية: وضع اتفاق تتولى من خلاله فرنسا وكل الدول الموافقة على مقترحها الأوّلي اختيار الانسحاب الجماعي. تتخلـّص تلك البلدان بذلك من جميع قوانين الاتحاد التي تحول دون تفعيل مشروعها السياسي. من الواضح أنه لا يمكن اليوم ضبط قائمة تلك البلدان، لأن الأمر يتوقـّف على الخيارات التي ستذهب إليها الحكومات في ذلك الوقت.
يفضي المخرج الثالث إلى باب مغـلق: تعطيل المفاوضات مع«شركائنا الأوروبيين»، لا بدّ لنا من وضع العبارة بين ظفرين، لأن وضع ميزان القوى الحالي على الصعيد الجيو سياسي الداخلي في الاتحاد، يجعل عبارة «شركاءنا الأوروبيين» قريبة من الدلالة على حكومة ألمانيا، وهي القـوّة الوحيدة القادرة على تعطيل تفاوض مباشر مع فرنسا. ستكون برلين، وليس باريس، هي التي تتحمل مسؤولية إطلاق الدولاب الذي سيفضي بفرنسا وحلفائها للخروج من المعاهدات لكي تؤسـّس معا بناء أوروبيا جديدا لإنجاز المشروع السياسي المذكور، مشروع يتـمّ توسيعه –إن لزم الأمر – ليشمل بلدانا أوروبية من غير أعضاء الاتحاد الأوروبي، أو جزءا من بلدان الضفة الجنوبية للمتوسـّط.
لكن هذه السيناريوهات الثلاثة لا تحمل نفس الحظوظ. يعدّ المخرج الأول بعيد الاحتمال بالنظر إلى التوجـّه المناهض للبعدين الاجتماعي والبيئي الإيكولوجي لدى جـُلّ حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكنه مع ذلك ليس مخرجا مستحيلا: يبيـّن موقف الجنرال ديغول سنة 1965 (الذي أدى إلى «تفاهم لكسمبورغ») أن الدولة العضو يمكنها أن تحصل على قواعد وقوانين جديدة بفعل عدم الانصياع («سياسة الكرسي الفارغ»(3).
للحصول على اتفاق مرضي،
من الضروري إيجاد حلّ«خارج الطاولة»
أما المخرج الثاني فمحتمل جدّا، لأنه قد ظهرت منذ بدايات الاتحاد الأوروبي ملامح تباعد كبيرة بين المشاريع السياسية، تمّ حلّ بعضها عن طريق الانسحاب. في المدة الأخيرة، توصـّل البرتغال دون صعوبة تـُذكر إلى تطبيق سياسة اقتصادية واجتماعية مناقضة للتقشـّف الذي «يوصي به» الاتحاد. وأما الثالث، فهو بعيد التوقـّع جـدا، بما أن التسوية المعقولة لاختيار الانسحاب أمر ممكن.
غير أنه من الضروري أن يـُعـدّ حزب «فرنسا الأبية» العـُدّة لما يمكنه أن يفعل في الحالة الثالثة. هناك سببان رئيسيان لهذا. لقد عمدت ألمانيا عديد المرّات وفي المدّة الأخيرة إلى إحداث تشنـّجات خطيرة جـدّا في أوروبا، من خلال تعبيرها عن رغبتها في بسط القـوّة. كان ذلك مثلا عند سيرها بالقوة نحو إعادة توحيدها، مع ما كان في ذلك من خطر إثارة توترات خطيرة جدا مع روسيا، القلقة من فكرة أن ترى حلف شمال الأطلسي يتسع ليشمل بلدا بل وبلدانا كانت أعضاء في حلف فرصوفيا. اضطلع التطرف التقشفي الألماني بدور رئيسي في الكارثة الإنسانية اليونانية. لذلك يجب إعداد العـُدّة، لما يمكن أن يكون إذا عمدت برلين، مـرّة أخرى، إلى إغراق القارة الأوروبية في أزمة سياسية.
من جهة ثانية، يتطلـّب الحصول على اتفاق مـَرْضي، في كل تفاوض، «حلا خارج الطاولة»، ونعني بذلك مخرجا أحاديا عند تعطـّل المفاوضة، كما يتطلب خاصة استعدادا حقيقيا لتفعيله إن لزم الأمر، عدم توقـّع مثل هذا السيناريو يعني الإشارة إلى المتحاورين، من أول الأمر، أنه يكفيهم الذهاب إلى التعطيل، حتى لا يكون لنا من خيار وقت ذلك غير الاستسلام. يمثل المصير الذي لقيه رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس في سنة 2015 تحذيرا في هذا الصدد. على نفس الشاكلة وبما أن الإصرار على الخروج من المعاهدات الأوروبية يمثل من الناحية المنظومية واقعا حقيقيا يجب تحمـّله من أوّل الأمر باعتباره كذلك، فإن إمكانية الحصول على اختيار واسع للانسحاب تصبح قوية جدا.
1) هنري ستاردينياك، «هل يجب معاقبة الفائض الألماني، المرصد الفرنسي للأوضاع الإقتصادية، 26 فيفري/شباط 2015، www.ofce.sciences-po.fr
2) «المخطط أ، اقتراح إعادة تأسيس ديمقراطية، واجتماعية وبيئية للمعاهدات الأوروبية، وذلك من خلال إعادة التفاوض»، «المستقبل المشترك»، https://laec.fr
3) توافق حصل عليه الجنرال «ديغول» في جانفي/كانون الثاني 1966، وذلك بعدم الحضور مدة ستة أشهر، من أجل منع الانتخاب بالأغلبية الموصوفة (بدل الإجماع) في مجلس الوزراء، ونقل المشمولات الموازنية إلى البرلمان.
هذه الخدمة خاصة بالمشتركين

شارك هذه المقالة /